المهمشين المشاركة الثقافية المسلسلات اليمنية
article comment count is: 0

إقصاء المهمّشين من المشاركة الثقافية والفنّية بالمسلسلات اليمنية

هل ظهور ممثل لونُ بشرته سمراء في مسلسل يمني جريمة؟! تشهد الدراما اليمنية هذا العام أعمالاً إنتاجية لافتة؛ إذ يتنافس أكثر من 15 عملاً دراميًا يمنيًا ما بين اجتماعي وتاريخي وكوميدي. وقد فتح هذا العدد الكبير آفاقا جديدة أمام كثير من المواهب الجديدة، ورأينا مسلسلات يمنية غاصت في قضايا ومشاكل اجتماعية أكثر عمقًا من الأعوام السابقة، مما تطلّب البحث عن وجوه جديدة في الساحة لتجديد الواقع، لكن يبقى السؤال: هل المهمشون ذوو البشرة السمراء ضمن سيناريو المسلسلات اليمنية؟.

في زاوية المدن السكنية للمهمشين في تعز، وبين ركام منازلهم المصنوعة من الصفيح تولد حكايات لمئات القصص والمواهب الفنية، لكنها تظلّ في غياهب النسيان؛ لأنّ إقصاء المهمّشين من المشهد الثقافي والفنّي إخفاء لفئة ضمن واقع النسيج المجتمعي، وإجراء يمنع أن يكون الفن من أصدق المجالات كما ينبغي “للجميع لا لطائفة واحدة“.

تبدأ فجوة الإقصاء من الوضع المادّي الصعب والشركات الإنتاجية التي أصبحت تبحث عن شخصيات مشهورة لتُبرزها وتخوض التجربة، بينما يجد الفنان المهمّش نفسه أمام أبواب مغلقة تفتح لمن صقلت موهبته، لا لمن يحتاج إلى صقل الموهبة من الفئات الضعيفة. هذا التهميش يحوّل الفنّ من لغة عالمية إلى لغة مجهولة، ويُفقد المواهب المهمشة ثقتها في نفسها عندما لا تجد من يثق بقدراتها.

وعلاوة على ذلك تعاني الفئة المهمشة من التنميط الثقافي؛ إذ لا ظهور لأي مهمش في سيناريو المسلسل اليمني، وهذا يُعدّ تزييفاً للوعي المجتمعي وحرماناً للهوية الحقيقية لمكونات المجتمع. وهنا يخسر المشهد الفنّي نفسه، فالفنّ الذي ينفصل عن معاناة الناس وعن أحلام الطبقات المهمّشة يفقد المصداقية وعمق التجربة الإنسانية، وغياب هذه الفئة يجعل الثقافة في دائرة مغلقة بعيدًا عن واقع الحياة الحقيقي.

ويواجه الشباب من المهمّشين تحديداً، تحديات كبيرة في الوصول إلى الفضاءات الثقافية والفنية، ما يعكس استمرار أنماط الإقصاء الاجتماعي المرتبطة بالتمييز والعادات السائدة. وفي هذا الأمر، يروي مناضل أحمد (22 عامًا) تجربته قائلًا: “إني متأكّد أنّ لون بشرتي يشكّل عائقًا أمامي“، مضيفًا أنّ “الظلم الاجتماعي ما زال يمارس ضدنا، حتى من الجهات الثقافية”. ويشير إلى أنه حاول أكثر من مرّة المشاركة في الأنشطة الفنية، لكنه كان يعود دائمًا محبطًا؛ لأنّ المهمشين، بحسب تعبيره، “ليسوا موجودين في مخيّلة الكاتب ولا المخرج، ولو كانوا موجودين، فإنهم سيبحثون عنهم ويحفزونهم ويدرّبونهم”. تُظهر هذه الشهادة حجم الفجوة في تمثيل هذه الفئة داخل الإنتاج الثقافي، وتُبرز الحاجة إلى سياسات ومبادرات ثقافية أكثر شمولًا تفتح المجال أمام المواهب من مختلف الفئات الاجتماعية.

من زاوية تحليلية، يعكس غياب المهمشين خللاً في تمثيل المجتمع في الثقافة والإعلام، كما يرى الناشط الحقوقي في قضايا المهمّشين سامي النجار، لا سيما أنّ اليمن متعدّدة الطبقات الثقافية والاجتماعية، وهذا التنوّع هو أصل الهوية اليمنية، لكنه يقول: “الدراما اليمنية تُغفل هذا التنوّع، وتجعل الفئة أقل حضورًا في السرد الثقافي والفنّي”، وهو ما أفقد الحكاية اليمنية مصداقيتها.

تحفيز مشاركة الفئة المهمشة سيعيد التوازن الثقافي للمسلسلات اليمنية؛ لأنّ الدراما ليست للترفيه وحسب، بل للوعي. ويرى النجار أنه “لا بد من دمج كلّ مكونات المجتمع؛ ليكونوا داخل الصورة”، وحتى لا يوجد شعور بأنّ هناك فجوة بين الواقع والدراما، ويتحقّق الإنصاف المرتبط بالكرامة والعدالة الاجتماعية، وتعيد ثقة الجمهور بالدراما.

وعوضًا عن تمكين شباب الفئات المهمشة وإشراكهم في العمل الدرامي، لا يجد مناضل إلا عبارة: “لمّا نلاقي فرصة مناسبة لك، بنتواصل معك” في كلّ مرة يطرق فيها أبواب المُنتجين، لكن المستغرب أنّ المنتجين أنفسهم يلجؤون للمساحيق التجميلية حين يحتاجون لظهور ممثل بشرته سمراء، ويتساءل مناضل: “ألا أستحق الفرصة؟! قد أكون صديقاً أو جاراً للبطل كمشهد واقعي، لكن أين نحن من الواقع الثقافي؟”.

لكن وجهة نظر أخرى ترى أنّ الجمهور هو السبب الرئيسي الذي يدفع المنتجين لاختيار الشخصيات الأكثر جماهيرية على وسائل التواصل الاجتماعي للتمثيل، كما يرى المخرج المسرحي والممثل أحمد جبارة، ويشير إلى أنّ أكبر مشكلة تتمثّل في غياب معاهد الفنون، وهو ما يحرم كثيراً من المهمشين والفئات المجتمعية الأخرى من تلقّي فرصة التأهيل لتفرض نفسها أكثر على الجهات المعنية.

ومن الأسباب أيضًا غياب الكاتب المتخصّص، بحسب جبارة الذي يقول إن غالبية المسلسلات اليمنية يكتبها أشخاص غير متخصّصين، ليسوا كتّابًا حقيقين، ولهذا تكون الأفكار غالبيتها سطحية، مشيرًا إلى أنّ الأعمال المؤلّفة مشتركة بدون قصص وبرامج حقيقية تخاطب جميع فئات المجتمع.

المخرج العراقي الذي برز اسمه في تاريخ الدراما اليمنية فلاح الجبوري يختلف مع وجهة النظر السابقة؛ إذ يرى أنّ الجمهور يتقبّل أي وجه يمتلك موهبة وكاريزما، موضّحًا أنّ وجود وجه فنّي من المهمشين شيء عادي، “ولكن القنوات تخاف من المغامرة ويفضّلون النجوم والمشاهير”.

إضافة إلى رأي الفنان عبد الله إبراهيم، الذي برز بأعمال وأدوار لافتة، بأنّه لا بد من وجود اهتمام من مخرجي المسلسلات لإشراك المهمّشين في أعمالهم الدرامية، مشدّدًا على ضرورة اجتهاد الفئة نفسها بشكل أكبر للحصول على الفرص، فالفنّ يحتاج إلى أداء وموهبة حقيقية بعيدًا عن أي مسميات طبقية.

​ويضيف عبد الله إبراهيم قائلًا: “أتمنّى وجود أشخاص موهوبين من هذه الفئة، لديهم الرغبة والنيّة للمشاركة والتدرّج من الأدوار البسيطة، وسأكون بجانبهم لدعمهم في هذا المسار. أنا كفنان أستطيع تأدية أي شخصية وأتشرّف بذلك، لكن إذا عُرض علي تمثيل شخص مهمّش، سأرفض؛ لأن وجودهم الفعلي واجتهادهم واطلاعهم الفني أمر جوهري لتحقيق الواقعية في المسلسلات، وللابتعاد عن استخدام مساحيق تلوين البشرة؛ لأنها تؤثر سلبًا على حبكة العمل، وتعكس رسائل غير دقيقة تفصل المشاهد عن الدور الذي نقدمه”.

يظلّ تساؤل مناضل اختباراً لضمير المشهد الثقافي، فدمج المهمّشين سيعيد للإنسان كرامته وللنسيج المجتمعي تماسكه، فإمّا أن تكون الدراما لغة عالمية تنصف الجميع، وإما أن تظلّ مجرد وسيلة ترفيه تفتقر الصدق والعدالة الفنية.

في الحقيقة، اليمن دولة عظيمة، ولا يستقيم بنيانها إلا بكل عناصرها صغيرها وكبيرها، أسودها وأبيضها، لهذا فإن وجود المهمشين ضمن إطار الفن والثقافة بشكل عام هو عودة إلى حقيقة الإنسان اليمني الذي عرفه التأريخ، وغياب المهمّشين عن الإنتاج الدرامي اليمني هو تغييب لفئة اجتماعية كاملة، وأمر يُعيق تحقيق التعايش المجتمعي المنشود في وطن بأمس الحاجة إلى تعزيز تماسك نسيجه المجتمعي وتآلف كلّ سكانه، وهو ما يجعلنا نؤكّد على ضرورة تحوّل الدراما اليمنية من حكايات قاصرة، إلى قصص تنبض بآمال البسطاء في الحارات والأزقة، لنصنع من تنوّع الإنسان اليمني صورة من الجمال تحمي النسيج المجتمعي من مزيد من التمزّق، ويكون الدمج في الدراما حقيقي ينصف روح اليمن الثقافية.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً