تستيقظ تعز كلّ صباح على صورة المدينة التي عُرفت طويلًا بأنّها مدينة الثقافة والفنّ، حيث تمتزج حركة الأسواق بأحاديث الناس وأحلامهم الصغيرة، وتنبض الحياة في شوارعها بما تحمله من إرث ثقافيّ عريق، غير أنّ هذه الصورة المضيئة لا تعكس كلّ الواقع الاجتماعي للمدينة، فبين الأزقّة الضيقة والأحياء الفقيرة، تعيش فئة من الناس تبدأ يومها بقلق لا يتغيّر كثيرًا، وبمحاولات للعيش بكرامة في ظلّ واقع يضيق بهم أكثر مما يتسع. هناك، بعيدًا عن الأضواء والمنابر، تبقى أصوات لا تصل إلى المسارح أو المعارض أو الفعاليات الثقافية، لا لأنها تفتقر إلى الموهبة أو القدرة على التعبير، بل لأنها تنتمي إلى فئات ما تزال تعيش على هامش الاعتراف الاجتماعي. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الثقافة والفنون فضاءً يتيح للمجتمعات التعبير عن تنوّعها ويعزّز اندماج مختلف مكوناتها، فإنّ محدودية حضور هذه الفئات في المشهد الثقافي تطرح تساؤلات جِدّية حول دور المؤسّسات الثقافية والمجتمعية في فتح المجال أمامها، وحول السبل المُمكنة لجعل الثقافة أكثر شمولًا وعدالة، لتتحوّل من مساحة للنخبة إلى فضاء يعكس أصوات المجتمع كلّه، بما في ذلك الأصوات التي بقيت طويلًا خارج دائرة الضوء.
يتجلّى التهميش الثقافي للفئات المهمّشة في محدودية حضورها داخل الفضاءات الثقافية والفنية العامة؛ إذ تُقام كثير من الأنشطة، كالندوات الأدبية والمعارض الفنية والفعاليات الثقافية، غالبًا ضمن دوائر اجتماعية محدّدة لا تشمل أبناء هذه الفئات، أو لا تُتيح لهم فرص المشاركة الحقيقية فيها. وفي هذا السياق، يُشير نعمان الحذيفي، رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين، إلى أنّ “ما تعانيه فئة المهمّشين من تمييز هو نتاج طبيعي للموروث الاجتماعي والثقافي المتوارث تجاه هذه الفئة، والتي، رغم محاولاتها المتكرّرة، ما تزال تسعى لأن تكون جزءًا فاعلًا من المجتمع”. ويجعل هذا الواقع كثيراً من أبناء هذه الفئات يشعرون بأنّ المجال الثقافي لا يمثّلهم ولا يعكس تجاربهم الإنسانية، مما يُعمّق المسافة بينهم وبين بقية المجتمع، ويُبرز الحاجة إلى سياسات ومبادرات ثقافية أكثر شمولًا وعدالة.
العلاقة بين التهميش الثقافي والتهميش الاجتماعي
يرتبط التهميش الثقافي ارتباطًا وثيقًا بالتهميش الاجتماعي؛ إذ إنّ غياب بعض الفئات عن المجال الثقافي لا يعكس ضعف حضورها في الفنون والأنشطة الثقافية وحسب، بل يكشف في جوهره عن موقعها الهامشي داخل البنية الاجتماعية. وفي ذلك، يؤكّد نعمان الحذيفي أنّ الوعي الاجتماعي يتشكّل بدرجة كبيرة عبر الوعي المعرفي والثقافي، موضّحًا أنّ الخطاب الديني والإعلامي والثقافي يفترض أن يؤدّي دورًا أساسيًا في تعزيز مفاهيم التعايش وقبول الآخر، على أساس الهوية الوطنية الجامعة التي تمثّل القاسم المشترك بين جميع مكونات المجتمع.
غير أنّ هذا الخطاب، وبكلّ أسف، ما يزال غائبًا في كثير من الأحيان، بل قد يتحوّل أحيانًا إلى أداةٍ تُعيد إنتاج الموروث الثقافي القائم على التمييز، سواء على أُسس عرقية أم مناطقية أم سلالية. ومثل هذا الخطاب لا يؤدّي إلا إلى تعميق العُزلة وتوسيع الفجوة القائمة أصلًا بين فئة المهمّشين وبقية فئات المجتمع اليمني. فعندما لا تحظى فئة معينة بفرص متكافئة للمشاركة في الحياة الثقافية، أو للتعبير عن هويتها وتجاربها عبر الفنّ والأدب والإعلام، تتراجع قدرتها على الظهور في المجال العام، كما تقلّ قدرتها على التأثير في الخطاب المجتمعي.
المواهب الفنية الكامنة بين الفئات المهمشة
على الرغم من واقع التهميش الذي تعيشه هذه الفئات، لا يعني ذلك غياب المواهب بينها. الأمر على العكس من ذلك، يمتلك كثير من أبناء الفئات المهمشة قدرات إبداعية لافتة في مجالات متعدّدة، مثل الغناء الشعبي، والرسم، والشعر، والرقصات التراثية. في بعض أحياء محافظة تعز، يمكن ملاحظة شباب يمتلكون مهارات واضحة في كتابة الشعر أو أداء الأغاني الشعبية التي تعكس تجاربهم اليومية ومعاناتهم مع الفقر والإقصاء الاجتماعي، غير أنّ هذه المواهب غالبًا ما تبقى محصورة داخل نطاقها الاجتماعي الضيّق، بسبب غياب المنصات الثقافية القادرة على احتضانها ودعمها.
من هذه المواهب المميزة محمد عبد الله، طفل في الرابعة عشر من عمره، يمتلك صوتًا جميلًا وموهبة واضحة في الغناء والتمثيل. وفي حديثٍ له يقول معبّرا عن خيبة الأمل في إيصاله موهبته للمجتمع: “أتمنّى فقط أن تُمنح لي فرصة لأُظهر ما لديّ من موهبة، وأن يسمع الناس صوتي، لكن يبدو أنّ السبب الذي يمنعهم من منحي فرصة أو حتى الاستماع لي مرة واحدة، هو أنني من المهمّشين“. وهكذا تتحوّل الموهبة، التي يمكن أن تكون جسرًا للاندماج الاجتماعي، إلى طاقة كامنة لا تجد طريقها إلى المجال العام.
تأثير تجاهل الفئات المهمّشة على الاندماج
إنّ تجاهل الفئات المهمّشة في المجالين الثقافي والفنّي يترك أثرًا مباشرًا على قدرتها على الاندماج داخل المجتمع. فالمشاركة الثقافية تُعدّ أحد أهم مسارات الاعتراف الاجتماعي والانتماء. وعندما لا تُمنح هذه الفئات فرصة الظهور في الفعاليات الثقافية أو التعبير عن تجاربها ومواهبها، فإنّ ذلك يُعزّز شعور العزلة والإقصاء لديها، ويجعلها أقلّ قدرة على التواصل مع بقية أفراد المجتمع أو التأثير في الخطاب العام.
ومع مرور الوقت، تكبر الأجيال الجديدة وهي ترى أنّ المجال الثقافي ليس مساحةً لها، ما يرسخ الفجوة بينها وبين المجتمع، ويجعل شعور الانتماء محدودًا أو هشّا. كما يُسهم هذا التجاهل في تعزيز الصور النمطية السلبية؛ إذ يستمرّ المجتمع في رؤية هذه الفئات عبر عدسة الفقر أو الهامشية فقط، من دون التعرف على إبداعاتهم أو قصصهم الإنسانية، وهكذا يتحوّل التهميش الثقافي إلى آلية تُعيد إنتاج التهميش الاجتماعي مرةً أخرى.
ولا يقتصر أثر التهميش الثقافي والاجتماعي على الفئات المهمّشة وحدها، بل يمتدّ تأثيره إلى المجتمع كله، فغياب أصوات هذه الفئات عن المشهد الثقافي يحرم المجتمع من تنوّع التجارب والقصص الإنسانية التي تعكس واقعه الحقيقي بصورة أكثر شمولًا. فعندما تُحرَم قطاعات واسعة من المجتمع من المشاركة في التعبير الفنّي والثقافي، يفقد المجتمع جزءًا من قُدرته على النقد الذاتي وفهم تحدّياته بعُمق، ويصبح الخطاب الثقافي أكثر انغلاقًا وأقلّ تمثيلًا للواقع. كما أنّ استمرار التهميش يخلق فجوة بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويعزّز الشعور بالانقسام؛ إذ يشعر بعض الأفراد بأنّ المجتمع لا يمثلهم، ولا يُتيح لهم فرصة المساهمة فيه. وهذا بدوره يُضعف فُرص التعاون الاجتماعي ويُقلّل من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المشتركة، سواء كانت اقتصادية أم سياسية أم إنسانية. وبعبارة أخرى، لا يضرّ إقصاء الفئات المهمشة من المجال الثقافي بهذه الفئات وحدها، بل يحدّ أيضًا من قدرة المجتمع اليمني، وخاصة في محافظة تعز، على تحقيق نموّ ثقافي واجتماعي شامل، ويجعل التنمية أكثر هشاشة وأقلّ استدامة.
يُسهم إدماج الفئات المهمشة ثقافيًا في تعزيز الانتماء الوطني لهذه الفئات وتمكينها من أن يكون لها أعضاء فاعلون في المجتمع. وفي هذا السياق، يرى نعمان الحذيفي أنّ إدماج الفئات المهمشة في الحياة الثقافية يُتيح لهم مساحة للتعبير عن هويتهم الوطنية، ويُعزّز شعورهم بالانتماء والقدرة على المشاركة الفاعلة في المجتمع. ويُضيف أنّ فتح المجال أمام هذه الفئات للمشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية يُسهم في ترسيخ قِيم التعايش والسلم الاجتماعي، وهي قِيم أساسية لأيّ مجتمع يسعى إلى تجاوز الانقسامات وبناء مستقبل أكثر عدالة وتماسكًا، فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست مساحة للفنّ أو التعبير الجمالي وحسب، بل هي أيضًا أداة للاعتراف المتبادَل بين الناس، وجسر لفهم أعمق للذات والمجتمع وتنوّعه الإنساني.
في ضوء ما سبق، يتّضح أنّ التهميش الثقافي للفئات المهمشة انعكاس مباشر لبنية اجتماعية أوسع ما تزال تُعيد إنتاج الإقصاء بصور متعدّدة، فحين تُحجَب أصوات هذه الفئات عن المشهد الثقافي، لا يخسر الأفراد فرصتهم في التعبير فحسب، بل يخسر المجتمع أيضًا جزءًا من تنوّعه الإنساني ومن قدرته على فهم ذاته بصدق وعمق. ومن هنا، يمكن القول: إنّ معالجة التهميش الثقافي ينبغي أن يُنظر إليها كضرورة اجتماعية تُسهم في تعزيز العدالة والاندماج وفي ترسيخ قيم التعايش، فالمجتمع الذي يفسح المجال لكلّ أصواته ليُسمعها، هو مجتمع أكثر قدرة على التماسك والنمو وبناء مستقبل يتّسع للجميع.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.