الشائعات الحقيقة حضرموت
تصوير: إبراهيم با سالم
article comment count is: 0

الشائعات تأكل الحقيقة في حضرموت!

ماذا يحدث عندما تتحول كلمة غير مؤكدة إلى شبه حقيقة متداولة في المجالس والمنصات الرقمية؟ وكيف يمكن لرسالة مجهولة المصدر أن تُربك مجتمعًا عُرف بحكمته وتماسكه؟ في حضرموت أصبحت الشائعة عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وزعزعة الثقة داخل المجتمع، لا سيما في مديرية القطن، حيث تتشابك العلاقات الأسرية والاجتماعية بشكل وثيق. وهنا تكمن خطورة الظاهرة؛ إذ تضرب في عمق القيم التي قام عليها المجتمع الحضرمي من سمعة طيبة، وحسن ظن، وترابط عائلي.

وإذا تأملنا الواقع عن قرب، نجد أن الشائعة حين تنتشر في بيئة اجتماعية مترابطة، كبيئة القطن، تتحول إلى عنصر ضغط يؤثر في العلاقات اليومية، وفي نظرة الناس بعضهم إلى بعض. ويمكن إدراك خطورة ذلك من خلال أمثلة واقعية شهدها المجتمع. فقد تناقل الناس في وقت سابق خبرًا عن وفاة أحد أبناء مديرية القطن، وهو المرحوم أحمد صلاح، حيث انتشرت رسالة تفيد بأنه توفي في مستشفى القطن العام بعد تعرضه لحادث. وصل الخبر سريعًا إلى أسرته وأقاربه، فدخلت العائلة في حالة من الصدمة والهلع، وبدأت الاتصالات والتعازي قبل التحقق من صحة الخبر. غير أنّ أفرادًا من أسرته توجهوا إلى المستشفى، ليتبين لهم أنّ الخبر غير صحيح، وأنّه لا يزال على قيد الحياة في تلك اللحظة. ورغم أنّ الحقيقة ظهرت لاحقًا، فإنّ الأثر النفسي الذي خلّفته الشائعة كان كبيرًا على العائلة وكل من سمع الخبر. إنّ مثل هذه الحوادث توضح كيف يمكن لكلمة غير دقيقة أن تخلق حالة من القلق والاضطراب داخل مجتمع صغير مترابط.

وفي القطن، يكفي أحيانًا تسجيل صوتي مجهول المصدر يتناول قضية اجتماعية أو إدارية حتى تبدأ دوائر الشك في الاتساع. وقبل فترة تناقل بعض الأهالي رسالة غير موثقة حول قرار إداري قيل إنّه يمس مصالح فئة معينة، فاشتعلت التعليقات، وتبادل الناس الاتهامات، قبل أن يتبين لاحقًا أنّ الخبر غير دقيق، وأنّ مضمونه مجتزأ من سياقه. لكنّ الضرر كان قد وقع؛ فقد توترت علاقات، واهتزت ثقة، وانشغلت المجالس بحديث لم يكن موجودًا في الأساس.

وفي مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا بالاسم والنسب، تكون الشائعة أكثر قسوة؛ لأنها لا تطال جهة مجهولة، بل تمس شخصًا حاضرًا في السوق أو المسجد أو المدرسة. فكلمة غير دقيقة قد تشوه سمعة تاجر، أو تثير الشك حول موظف، أو تضع أسرة كاملة في دائرة التساؤل. وهنا لا نتحدث عن أثر معنوي فحسب، بل عن نتائج ملموسة تتمثل في فتور العلاقات، والإحراج الاجتماعي، وربما قطيعة يصعب ترميمها.

وتتغذى الشائعات غالبًا على غياب المعلومة الواضحة أو تأخرها؛ فعندما لا يجد الناس تفسيرًا رسميًا لحدث ما، يملؤون الفراغ بالتخمين. غير أنّ الخطورة تكمن في تحويل الظّن إلى يقين، ثم إعادة نشره على نطاق واسع دون تحقق. ومع تكرار هذا السلوك تتشكل بيئة يصبح فيها «الأكثر تداولًا» هو الأقرب إلى التصديق، لا «الأكثر دقة».

ومع ذلك فإنّ المجتمع يملك أدوات المواجهة. ففي القطن يؤدي بعض الأئمة والخطباء دورًا مهمًا في التذكير بحرمة نقل الأخبار دون تثبت، مستندين إلى توجيهات دينية واضحة تدعو إلى صون الأعراض والتحقق من المعلومات، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. كما ينبه عدد من المعلمين والمثقفين طلابهم إلى أهمية التفكير النقدي وعدم الانسياق خلف كل ما يُنشر في المنصات الرقمية. وهذه الجهود، وإن لم تكن مؤطرة رسميًا، تمثل حاجزًا أخلاقيًا يحد من تفشي الشائعات.

أما الإعلام المحلي فمسؤوليته كبيرة في هذا السياق؛ فعندما تبادر المنصات الإخبارية الموثوقة إلى نشر معلومات دقيقة وسريعة وشفافة، فإنّها تسهم في تضييق مساحة الشائعة. وفي مديرية القطن مثلًا يمكن أن يلعب الإعلام المرتبط بالمؤسسات الرسمية دورًا مهمًا في توضيح الحقائق، مثل الإعلام التابع لمستشفى القطن العام الذي قد يصدر توضيحات حول بعض الحالات أو الأخبار المتداولة، وكذلك المنصات الإعلامية التابعة للسلطة المحلية في المديرية، التي يمكنها نشر البيانات الرسمية وتوضيح القرارات الإدارية. وقد أثبتت التجارب أنّ صدور بيان واضح، وفي الوقت المناسب، من جهة موثوقة كفيل بإخماد كثير من التأويلات وإعادة النقاش إلى مساره الصحيح.

إنّ معالجة الشائعات تعني ممارسة الحرية بمسؤولية؛ فهناك فرق بين إبداء الرأي ونشر معلومة غير مؤكدة. والمجتمع الذي يدرك أفراده أنّ الكلمة مسؤولية، وأنّ سمعة الناس ليست مجالًا للتجريب، يكون أقدر على حماية تماسكه. وثقافة السلام تبدأ من تفاصيل صغيرة: الامتناع عن إعادة نشر خبر غير موثوق، والسؤال عن المصدر، والتواصل المباشر مع المعنيين بدلًا من تداول الحديث عنهم في غيابهم.

حضرموت، التي عُرفت بتاريخها العريق وتقاليدها القائمة على الحكمة، قادرة على تجاوز هذا التحدي، لكن ذلك يتطلب وعيًا متجددًا يواكب العصر الرقمي. فلا بد من مهارة التحقق وإدراك أنّ الشائعة قد تكون أخطر من الخلاف نفسه. وفي المحصلة، الشائعات قضية تمس صميم التماسك الاجتماعي. وإذا كان المجتمع الحضرمي قد حافظ على استقراره عبر عقود بفضل حكمته وتلاحمه، فإنّ المرحلة الراهنة تفرض عليه مسؤولية إضافية: حماية الحقيقة من التآكل في فضاء رقمي مفتوح. فالحقيقة، إن لم تجد من يصونها، تتراجع، ومع تراجعها تتراجع الثقة. ومن هنا فإنّ الدفاع عن الحقيقة واجب جماعي يحفظ للمجتمع وحدته ويصون مستقبله.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً