هل يمكن لمدينة مثل عدن، أن تفقد جزءًا مِن سلامها عندما تخفت فيها أصوات الموسيقى وتفقد أحد أصواتها الثقافية؟ هذا السؤال الذي يفرض نفسه علينا عند التأمل في واقع المشهد الثقافي والفنّي بعدن اليوم، بعدما تراجعت أصوات الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى، وكُنَّ جزءًا أصيلًا من تاريخ المدينة الثقافي والفني.
فمدينة عدن التي عُرفت بتاريخها الثقافي والفني، منذ منتصف القرن العشرين، حيث ازدهرت فيها المسارح والفرق الموسيقية، مثل فرقة المسرح الوطني وفرقة أبناء عدن، وكان للفتيات حضور لافت في المهرجات والفعاليات الثقافية والفنية، وهو ما أسهم في تعزيز الصورة الذهنية لعدن بأنّها مدينة للتنوّع والتعايش والسلام، لكن هذا الحضور للفتيات تراجعَ بشكل ملحوظ في السنوات العشر الأخيرة التي أعقبت الحرب التي شهدتها عدن عام 2015، وما أتبعها من صراعات سياسية وأمنيّة، وهو تراجع لا يمكن قراءته بوصفه شأنًا ثقافيًا فحسب، لكنّه مؤشّر عميق على تحولات تمسّ هوية المدينة الثقافية ومستقبلها الفني.
ونظرًا للواقع الثقافي الذي تعيشه عدن، جاءت فكرة المقال التي ترى أنّ تراجع مشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى أثّر على أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تعزّز قيم السلام والتعايش في المجتمع.
عُرفت مدينة عدن بتاريخها الثقافي والفنّي، فعلى مدى العقود الماضية شكّل الفنّ والموسيقى مساحة تجمع مختلف فئات المجتمع، وعرفت المدينة المهرجانات الغنائية والعروض المسرحية التي كانت تُقام في مسارحها ودور السينما، وكانت هذه الفعاليات تشهد حضورًا واسعًا من مختلف الشرائح الاجتماعية، واعتبرت الفنّ والموسيقى مساحة مشتركة تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية. وعكست كتابات الشاعر العدني لطفي أمان روح المدينة المنفتحة، وقد اعتبر أنّ الفن والثقافة يمثّلان جوهر الهوية العدنية القائمة على التعدّد والتسامح.
وقد كان لمشاركة الفتيات في الفنّ والموسيقى بعدن في تلك الحقبة الزمنية دور مهمّ في نشر رسائل المحبة والسلام والتسامح. كما أسهمت في تعزيز صورة المدينة بوصفها مدينة للتنوّع المجتمعي. وتؤكّد تقارير اليونسكو حول دور الثقافة في بناء السلام أن الفنون، وخاصة الموسيقى والمسرح، تُسهم في تعزيز الحوار المجتمعي وفي تخفيف حدّة التوتر في المجتمعات الخارجة من النزاعات.
كما وثّق الفنان والباحث في تاريخ الأغنية اليمنية الفنان محمد مرشد ناجي في دراساته حول تطوّر الأغنية العدنية، ازدهار الحركة الفنية في عدن في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأشار إلى أنّ المسارح والفعاليات الفنّية كانت تشهد مشاركة واسعة من مختلف فئات المجتمع.
وقد أثّرت الحروب والصراعات على حضور الفنّ، لا سيما بعد عام 1994، لكن الحرب التي شهدتها عدن 2015، كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، حيث تسبّبت بتراجع كبير لمشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى، وتُشير تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الصراعات المسلحة غالبًا ما تؤدّي إلى تراجع النشاط الثقافي، وتُقلّص مشاركة النساء في الحياة العامة، وعدن ليست استثناء من هذه الآثار المدمرة للحرب.
وكما أوضحت أنّ مشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى في عدن بدأت بالتراجع تدريجيًّا منذ عقد التسعينيات، لكن هذا التراجع ازداد بشكل واضح في السنوات العشر الماضية، حيث وجدت الفتيات الموهوبات في مجالَي الفن والموسيقى أنفسهن في مساحات ضيّقة للمشاركة في المهرجات والفعاليات الفنية، كما واجهن مجموعة من القيود الاجتماعية والأمنية، إضافة إلى تصاعد الخطابات المحافظة التي ضيّقت من حضور المرأة في المجال العام. إضافة إلى أنّ كثيرا من الأسر في عدن أصبحت ترى الفنّ والموسيقى نشاطين ترفيهيين يمكن الاستغناء عنهما، وباتت تُعطي أولوية للحاجات الرئيسية والأساسية للحياة.
أدّت هذه القيود والظروف القاسية، التي تزامنت في وقت واحد، إلى دفع عدد من الموهوبات نحو الصمت أو الانكفاء داخل جدران منازلهن، بعد أن كُنّ في السابق جزءًا فاعلًا من المشهد الفنّي والثقافي في المدينة. وتنسجم هذه الصورة مع ما تُشير إليه تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حول اليمن، والتي تُفيد بأنّ الأزمات الاقتصادية والصراعات غالبًا ما تُسهم في تقليص فرص مشاركة النساء في الحياة الاجتماعية والثقافية، نتيجة تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأسر.
علاوة على كل ذلك، هناك سبب مهمّ أيضًا، وهو غياب الدعم المؤسّسي، وتراجع التمويل للأنشطة الثقافية، نتيجة تداعيات الحرب التي أثّرت على الوضع الاقتصادي، إضافة إلى إغلاق المسارح ودُور السينما التي كانت تجد الفتيات، فيها مساحات واسعة لممارسة هوايتهن وتنمية مواهبهن في مجالَي الفن والموسيقى.
وفي المقابل، تكشف المقارنة في السنوات الأخيرة عن فجوة واضحة بين مشاركة الفتيان والفتيات، ويظهر الحضور الذكوري بشكل شبه كامل في بعض الفعاليات العامة، في حين تتركّز مشاركة الفتيات غالبًا في أنشطة مدرسية مغلقة أو فعاليات محدودة النطاق، ويعكس ذلك اختلالًا في التمثيل الثقافي وتراجعًا في مستوى التنوّع داخل المشهد الفنّي.
فقبل حرب عام 2015، كانت مشاركة الفتيات في الفرق الموسيقية والمهرجانات المدرسية والفعاليات المجتمعية أمرًا معتادًا ومألوفًا، ومن هذه المشاركات الفنّية، كانت الفتيات يحملن رسالة إنسانية ووطنية واجتماعية، ويفتحن نوافذ للحوار غير المباشر، فالغناء للسلام أو تقديم مشاهد تمثيلية تناقش قضايا المجتمع كان يُسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي بطريقة ناعمة، لكنها مؤثّرة، ويخلق لغة مشتركة تخفّف من حدّة الاحتقان وتعزّز مبادئ السلام والتعايش.
غير أنّ تراجع هذه المشاركة حرم مدينة عدن من إحدى أهم أدواتها الناعمة في ترسيخ قيم السلام والتعايش؛ إذ كان الفن والموسيقى أداتين فاعلتين في تخفيف حدّة الصراعات ودعم السلم المجتمعي. وعندما يغيب الفنّ عن خشبة المسرح، ويخفت صدى الألحان التي تعزفها الفتيات في الفعاليات والمهرجانات الثقافية والمدرسية، يختلّ توازن المجتمع، وتفقد المدينة تنوّعها الذي عُرفت به عبر تاريخها الثقافي والاجتماعي.
ولم يقتصر تراجع هذه المشاركة على خسارة أهم الأدوات الناعمة في تعزيز السلام والتعايش المجتمعي، لكن تنوّع المشاركة في الفعاليات تراجع أيضا، وأصبح صوت الفتيان يطغى على صوت الفتيات، مما أدّى إلى تقليص الرسائل الإنسانية التي كانت تحملها الفتيات في الفنّ والموسيقى، فتصبح الهوية العدنية معرّضة للاختزال ومقتصرة على الفتيان، وبات المشهد الثقافي أقل قدرة على تمثيل الواقع بكل أطيافه وشرائحه.
وفي ظل غياب هذا التنوع، تزداد احتمالات ترسيخ الصور النمطية حول دور الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى، وتتراجع فرص إعادة صياغة هذا الدور بشكل أكثر عدلًا وانفتاحًا، وما يُعدّ أكثر خطورة من ذلك، هو ترسيخ الرسائل الضمنية بين الأجيال الجديدة بأن الفن ليس مساحة آمنة للفتيات، وأن أصواتهن ليست مهمة في المجتمع، وإذا بقيت مشاركة الفتيات بهذا المستوى الضئيل من دون مواجهة حقيقة لهذا التراجع، فإننا في السنوات القادمة سنجد فجوة كبيرة في المشاركة الثقافية لا يمكن ردمها.
وفي خضم استمرار الصراعات السياسية التي تشهدها عدن، تبرز الحاجة الملحّة إلى ضرورة إعادة تعزيز مشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى في عدن، كما كانت عليه سابقًا، لما له من أهمّية كبيرة في تعزيز السلام وترسيخ التماسُك المجتمعي والتعايش.
ومن هذا المنطلق، ظهرت مبادرة نفّذتها مؤسّسة عدن للفنون والعلوم، حيث قامت بتشكيل فرقة موسيقية نسوية، بهدف استعادة دورهن في الموسيقى والفنون، وكسر العادات الدخيلة على المجتمع في المدينة. وأكّد ناشطون ثقافيون وصحفيون منهم مدير مكتب الثقافة بعدن الموسيقار أحمد بن غودل، والصحفي نشوان العثماني أنّ هذه الفرقة جاءت من أجل استعادة المدينة لملامحها الثقافية والحضارية والفنية، وعودة المرأة إلى دورها الرائد، وتأتي كخطوة تقدّم وجهًا مشرقا للأمل.
تأسيس مثل هذه الفرق الموسيقية في عدن يؤكّد أنّ أصوات الفتيات جزء من اللحن العام الذي يصنع صوت المدينة، ويُعيد لها هويتها التاريخية والثقافية على مدى الأجيال المتعاقبة، ويُسهم في تعزيز السلام والتعايش الذي عُرفت به عدن عبر التاريخ.
يتطلّب إعادة مشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى بعدن إرادة وعزيمة جماعية قوية، تبدأ من الاعتراف بأهمية مشاركة الفتيات في مجالَي الفن والموسيقى وحضورها على المسرح، وتنتهي بتوفير مساحات آمنة للتدريب والعرض، وإعادة إحياء المعاهد والأنشطة المدرسية، وتنظيم مهرجانات وفعاليات ثقافية تعتمد على التنوّع بين الفتيات والفتيان. هذه الخطوات ستُعيد المشهد الثقافي لعدن كما كان في السابق، وإذا اتّبعنا هذه الخطوات فعلا لا قولا، حينها فقط سنرى أن عدن أعادت بناء روحها الثقافية، والتي كانت، وما زالت، تؤمن بأنّ الفن أحد أهم الأدوات التي تبني السلام والتعايش في مدينة السلام عدن.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.