رجل يطل من سطح بناية على مدينة صنعاء القديمة. Shutterstock
article comment count is: 6

ما هو تقسيم الطوابق في البيت التراث الصنعاني؟

من النظرة الأولى يبدو البيت أو المنزل التراثي الصنعاني، في قلب مدينة صنعاء القديمة مُحكم التقسيم لمكوناته، مُتقن التوزيع لعناصره رأسياً وأفقياً، وفقاً لعوامل اقتصادية واجتماعية ومناخية وحتى أمنية متداخلة، محكومة هي الأخرى بحزمة عادات وتقاليد اجتماعية، في إطار موروث حضاري، يشكّل في مجمله مكونات البيت في المدينة المدرجة على قائمة التراث العالمي.

ولتقريب الصورة أكثر يمكن الوقوف على تقسيمات ومكونات مبنى “بيت التراث الصنعاني”، التابع لوزارة الثقافة، والذي يتكون من 6 طوابق، مترابطة في سِلّم رأسي، ومجموعة من الملحقات الوظيفية، وذلك كنموذج مكتمل العناصر للباحثين والمهتمّين بدراسة هذا التراث المعماري الفريد، الذي جمع بين دقّة الهندسة المعمارية، وفنّ الزخرفة والنّقش على الأخشاب، والتخطيط المستقبلي لتأثير عوامل التعرية، وتوفير احتياجات الإنسان.

وبداية من الطّابق الأول في ترتيب مكونات البيت الصنعاني، فقد جاءت مكونات هذا الطابق وظيفية خدمية بالدّرجة الأولى، فعلى المدخل الرئيسي صالة مرصّعة بالحجر الأسود تسمى “الدّهليز”، وإليها تفتح أبواب مجموعة من الفضاءات الخدمية مثل “الحرّ”، و “الدّكّة”، و”بير الماء”،  و”المَنور”، و”أحْقُب خزن الحبوب”، و”المطحن” وهى الرّحى التي تقوم بطحن الحبوب.

و”الحَرّ” أو إسطبل الحيوانات، هو فضاء وظيفي مخصص لتربية المواشي، وهو مظلم نسبياً ويحتوي على فتحات صغيرة ضيقة للغاية، وذلك لغرض إدخال التهوية والضوء من ناحية، ولأسباب أمنية من ناحية أخرى.

أمّا “الدّكّة”، فهي عبارة عن كتلة بناء عالية نسبياً تقع في مقدمة الدّهليز، وعلى جانب من باب المدخل الرئيسي، ووظيفتها تسهيل الصعود والنزول لمن يصعد على ظهر الدابة أو الجمل أو البغل، أو تسهيل تحميلها وإنزال حمولتها.

في الطابق الثاني توجد ” الحِجْرة” بلهجة سكّان صنعاء، وهى الصّالة، وعبرها يمر سكان البيت إلى “الدّيمة” أي المطبخ، ومكان الوسط، وسُمّيت “الديمة” من ديمومة الحال والنعمة، وتجمع فيها كل أدوات الطبخ، ويؤدي كل عنصر من مكوناتها وظيفة هامة مثل “السِّيِّه” و”المنزع” الذي يقوم بجلب الماء من بئر الماء في الطابق الأول عبر ما يسمى “المنْزَع” أو الدّلو.


أمّا “السِّيِّة” فهي عبارة عن قاطع علوي يتدلى من فوق التناوير لجمع الأدخنة والروائح وتصريفها عبر فتحات في السقف، تعلوها مظلات ياجورية لمنع سقوط الأمطار، ولصد تسرّب الأتربة والغبار إلى داخل “الديمة”، كما تفتح على جانبيها فتحات صغيرة.


ويتراوح عدد التناوير ما بين 3 – 5 تناوير للبيوت الميسورة الحال، ويدل عدد التناوير في “الدّيمة” على عدد أفراد الأسرة، وعلى مكانتها الاجتماعية من الناحية الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية.

ونبقى في الدور الثاني حيث مكان الوسط، المجاور للدّيمة، وهذا المكان يستخدم لتناول الطعام، وعادة ما يفرش بفراش شبيه بفراش المقيل، وإن كان أقلّ كلفة، وتستخدم الأمكنة أو الأماكن (جمع مكان) في البيت الصنعاني كذلك لنوم بقية أفراد العائلة باستثناء الزوجين.

وعادة ما يحظى المكان باهتمام أكبر من غيره من الفضاءات الوظيفية من حيث التوجيه والعناية باختيار موقعه في الواجهات -بعد الديوان والمفرج- وتفتح نوافذه في أحد الاتجاهات الرئيسية باستثناء الاتجاه الشمالي والشمالي الشرقي، الذي يكون بارداً على مدار العام، الأمر الذي يجعل من الشبابيك في هذا الاتجاه من المكان موقعاً مناسباً لحفظ وخزن بقايا الطعام، كوسيلة بديلة للثلاجة.

إلى الطابق الثالث الذي يمكن القول إنّ مكوناته مرتبطة بوظيفة وقوع مولود جديد للأسرة، فهذا الطابق يتكون من مكان الوِلادة، وبلهجة صنعانية مكان الوَالِدة أي التي تضع مولوداً جديداً، ومكان “العَجَمِى”، ثم غرفة استقبال الأهل.

تبدأ المرأة مخاض عملية الولادة في المكان “العجمي” وقد سمّي كذلك نسبة إلى “الأعجم والعجمى” وتعنى انعدام الصوت، وهذا المكان محكم الإغلاق وليس له نوافذ، وحسب المختصين في بيت التراث الصنعاني فوظيفته إخفاء صوت أنين وصراخ المرأة أثناء مخاض الولادة.

بعد وضع المولود الجديد، يتم نقل الأم إلى غرفة مجاورة أكثر اتساعاً لاستقبال الأهل فقط لمدّة أسبوعين، يليها إجراء حمّام بُخار مجاور للمنزل، ومن ثَمّ نقلها إلى مكان الولادة أو الوالدة، حيث تمكث فيه مدّة 40 يوماً، لاستقبال الزائرات من نساء الحيّ، ترتدي كلّ يوم زيّاً جديداً.

ويتكون هذا المكان من مرتبة عالية تجلس عليها المرأة التي وضعت مولوداً، وخلفها توضع سجّادات، وهو ما يسمى بلهجة أهل صنعاء ” السّجاف”، وفي قاعة المكان توجد خزنة خشبية تسمّى “تَخْته” لحفظ الحلويات، ومجموعة من أكواب وأدوات القهوة والصحون النحاسية وأدوات التدخين القديمة.

وفراش هذا المكان مصنوع يدوياً من صوف الغنم، مصبوغ باللون الأسود، ويُعتقد أنّ هذا الفراش صحّي لجسم الإنسان ويشابه تأثيره مفعول إبر الوخز الصينية.

بالانتقال إلى الطابق الرابع، حيث يوجد “الدِّيوان”، وهو أكبر الفراغات الوظيفية في المبنى ويخصص غالباً للمناسبات، ويحتل في الغالب واجهة بأكملها، وتُزيّن جدرانه الداخلية وعناصره المعمارية كالنوافذ والعقود والشواقيص (فتحات صغيرة) والخزائن والمغفّرات (خزانات داخلية) بالزخارف والنقوش القصّيّة.

وللديوان بابين اثنين، حيث يقسم أحياناً جزء منه لصغار السّن، وفراشه يشابه فراش مكان “الوِلادة” في الطابق الثالث، غير أنّ الفراش هنا مصبوغ باللون الأحمر، وحسب إفادة المختصين، فإن ذلك يضفي أجواءً رومانسية على المكان.

الطابق الخامس يسمّى الدّور المسروق، ويضم غرفتين صغيرتين لما يسمونه بلهجة سكّان صنعاء “مكان أبي سِيد”، وهو الجدّ لجهة الأب، والغرفة الثانية “مكان أُمّى حَنجْ” وهى الجدّة، وإلى جوارهما يوجد “الجبا الشّمسى” أو السطح.

و”الجبا الشمسي” هو فضاء وظيفي مفتوح، يأتي نتاجاً لتراجع الكتل البنائية نحو الداخل، ويستغل للنشاط المنزلي الأسري ولتوفير الخصوصية، يحاط بجدار ساتر يعلو كتلة البناء التي تقع عليها، وتتوزع على الجدار الساتر فتحات معقودة مؤطّرة بمادة الجص، وتغطى الفتحات بقواطع ياجورية مفرغة، وتنفر منها مشربيات ياجورية وظيفتها الأساسية المراقبة والاتصال بالخارج، إضافة إلى كتل صغيرة مفرغة نصف مخروطية تتسع في الأسفل ووظيفتها دفاعية.

وأخيراً إلى الطابق السادس، حيث ينفرد “المَفْرَجْ” بشغل حيّز هذا الطابق، و”المفرج” تسمية في لهجة سُكان صنعاء، جاءت من الفُرجة، ويسمّى أيضاً “المنْظر” من النّظرة، ويسمى كذلك “طيرَمَانة” من الطيران والارتفاع إلى القمّة، ويتميز بمحدودية سعته، واتّساع محيط نوافذه وإطلالته على مدينة صنعاء القديمة من ثلاثة اتجاهات.

ويُعدّ “المفرج” في مكونات وتقسيم طوابق بيت التراث الصنعاني، أهمّ منطقة لأخذ قسط من الراحة والقيلولة، وحسب عادات سكّان صنعاء، ففي المفرج تحلو “السّاعة السليمانية“* على أنوار خافتة (من الساعة 4 عصراً إلى 7 مساءً)، وفي هذا الوقت ينقطع الاتصال والتواصل كُلياً لمن هم داخل المفرج، مع أهل البيت أو الزوار، ويعّم الهدوء التام، ويسبح كلّ شخص بخياله منفرداً، أو ينهمك في القراءة أو الكتابة، ومن المهم الإشارة إلى أنّ “المفرج” يتم حجزه للتخزين “مضغ القات” بالتناوب يومياً بين الرجال والنساء.

حسب إفادة المختصين في بيت التراث الصنعاني، فقد سميت “الساعة السليمانية” لانعدام ضوء المصابيح أو الفوانيس، ويتم حينها الاكتفاء بالضوء الخافت المتبقي لأشعة الشمس في وقت الغروب، والتي عادة ما تكون من خلال القمريات (العقود- أعلى الشبابيك) والتي كانت تحمل في (خرشاتها- نقشاتها) أغلب اشكالها (نجمة سليمان أو داوود).

وعلى مقربةٍ من “المفرج” يوجد “بيت الشّرْبة” وهو فضاء معدّ خصيصاً لتبريد الماء، ولذلك فإنّ جميع جدرانه مخرّمة لدخول الهواء، ويقع في الجهة الشمالية ما بين المفرج والجبا، لكي يكون الماء قريباً من الجالسين في المفرج وقت القيلولة.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. احسنتم وبارك الله فيكم هذي معلومات جديدة و أيضا مفيدة جدا جدا جدا بالنسبة لطلاب المعماري نشكركم على هذي الافادة الجميله

  2. نَحنُ لا نَستَطيِع إحياء وروُد قَدْ مَاتت لكن بِوسعنِا زَرع وُروُد أجَمل .منصتي 30
    انتم الأجمل