صورة لفتاتين في ريف يمني
فتاتان من الريف اليمني / صورة ضمن رخصة المشاع الإبداعي flickr
article comment count is: 5

المرأة في الأمثال الشعبية اليمنية

تشكل الأمثال جزءاً أصيلاً في الثقافة الشعبية الشفهية والتي تشمل كل الأشكال التعبيرية المنطوقة التي تختزنها الذاكرة بما فيها الموروث السردي من حكايات، وخرافات وحكم وغيرها من فنون التعبير الأخرى.

ويعتري المثل صوراً من التحسين والتعديل اللفظي ليستوفي شروط الإيقاع والاختصار والاختزال والتصوير البلاغي الذي يمكن أن يضفي عليه شكلاً محبباً لدى الناس ومن ثم يثبت بحيث يصبح قابلاً للتداول والرواية.

وتمارس الأمثال سحراً وتأثيراً خطيرين على الذهنيات، وعلى السلوكيات من منطلق أنها تمثل حكمة الأجداد، وخلاصة تجاربهم الحياتية.

ويشير “عبد المجيد جحفة” إلى أن خطاب الأمثال الشعبية يعبر عن الواقع ويختزن صوراً مختلفة عن الواقع البشري، من ضمنها صورة المرأة، ويقصد بالصورة ذلك البناء الذهني الذي يتم على مستوى الذاتية والرمزية والخيال، والذي يرتبط بالواقع الإنساني.

وفي محاولة للتعرف على صورة المرأة في الأمثال اليمنية تصدمنا الصورة السلبية لها منذ ولادتها مروراً بمراحل حياتها المختلفة، فلا يبدو قدوم مولودة أنثى مرحب به غالباً ففي المثل (ولد عاصي ولا عشر بنات مطيعات) و (الولد شرحه ولو ظهر ومات)، بمعنى أن ولادة مولود ذكر مصدر فرح حتى وإن ولد ومات يظل الجميع يفخر بمولده، و(الولد جنة والبنت ونة)، أي أن الولد مصدر سعادة والبنت مصدر أنين وألم، ويصل الأمر حد الاستهانة بالبنت من خلال المثل الذي يصور الإعالة أمراً متعباً حتى لو كان المعال بنت وذلك في المثل القائل: (من أعول أهول ولو كانت بنية)، وتترافق الصورة السلبية لتجعل هَمّ البنات حتى الممات، والأبعد من ذلك تصور الأمثال العنف والعقاب الجسدي باعتباره الأسلوب الأمثل لتربية البنات وليس من الغريب أن يتكرر على مسامعنا المثل القائل: (اكسر لها ضلع يطلع لها 24)، وإيغالاً في مزيد من العنف نسمع توجيه المربي لمزيد من العنف في المثل القائل (يا ضارب البنت بالعصا راقب الله وجر الصميل) والصميل عصا غليظة لا يمكن أن ينجو المضروب بها من آثار وآلام مبرحة.

والصورة سلبية وعنيفة في أغلب الأمثال التي جمعتها من مصادر متعددة منها دراسات ومنها كتب ومنها ما حصلت عليه من نقاشات في مجموعات مغلقة على فيسبوك.

وتكبر البنت وهي مصدر قلق وخوف لأنها الوصية على شرف العائلة والمسؤولة عن الحفاظ عليه، وهناك مخاوف أن تنزلق في مغبة التفريط فيه، لذلك فزواج البنت في سن مبكر أضمن وفي هذا السياق يتردد المثل: (زَوّج بنت الثمان وعليّ الضمان) وليس بعيداً منه المثل الذي يقول: (إن جاء لبنتك حمال زِد وَفّي من المال) بمعنى إذا تقدم لخطبة ابتك حمالاً فزوجه واصرف من مالك لإتمام هذه الزيجة، لأن أسوأ ما يدخر الإنسان الصوف والبنات: (أَخَسّ الخبايا الصوف والصبايا) فالصوف يتلف والبنات يجلبن وجع الرأس فلا راحة منهن إلا بتزويجهن، ومع ذلك يظل همهن حتى الممات.

ومهما حققت المرأة من إنجاز علمي أو اجتماعي تظل امرأة، وتتداول الكلمة حاملة معاني الانتقاص والتقليل من آدمية المرأة، فقد تصل لمنصب أو مركز مرموق ويأتي من يردد المثل القائل: (المرة مرة ولو تنمرت)، ويكرر الناصح على مسامع الرجل بأن لا يتنازل ويأخذ من مال المرأة كي لا تعايره وتتحكم فيه مردداً المثل القائل: (ماحد يجلس فوق شنطاف المرة).

وفي محاولة حثيثة للبحث عن أمثلة تقدم صورة إيجابية تتناسب مع وضع ومكانة وإسهام المرأة في المجتمع على مر التاريخ ريفاً وحضراً كانت الحصيلة متواضعة للغاية أذكر منها (مرة مدبرة ولا تجارة من عدن)، وقد كانت التجارة القادمة من عدن هي التجارة الرابحة، ومثل آخر يقول: (البيت المرة والحبة الذرة)، أي أن البيت يستقيم بوجود المرأة وتوفر الذرة، والمثلان وإن كانا إيجابيين من حيث الصورة التي يقدمانها للمرأة إلا أنهما لا يتعديان النظرة المادية النفعية للمرأة ووجودها.

أصابتني خيبة أمل وغصة ألم من كل ما جمعت من أمثال حول المرأة، لكن الذي أزال الخيبة والغصة أن النظرة الواقعية للحياة تقول دون مجال للشك أن المرأة كثيرة وكثيرة جداً بعطائها وإسهامها في المجتمع وعجلة الزمن إلى الأمام، وستنصف المرأة اليوم وغداً بإنصافها نفسها وإنصاف المجتمع لها عندما يتخلص حتماً من حالة الإنكار لدورها والادعاء بأنها عبء وهمّ، وجالبة لوجع الرأس، وستصبح كل هذه الأمثال محتوى في كتب التراث ليس إلا.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (5)

  1. المحزن عندما تكون المرأة هي عدوةً لذاتها..
    أجزم بأن من أطلق مثل هذه الأمثال هنَّ نساء عادةً لا يحارب الرجل المرأة بقدر ما تحارب نفسها..
    الأم هي من تربي وتنشأ الأجيال على يدها فهي من تغرس القيم والمبادئ والمفاهيم لدى الأبناء إناثًا كنَّ أو ذكورًا ..
    الاضطهاد الممارس تجاه المرأة لن ينتهي إلا بتوقف المرأة عن ممارسة ذلك تجاه ذاتها