المقاهي الشعبية الشاي المكلا
article comment count is: 0

اكسروا صورته النمطية.. «المقهى الشعبي» حيث يلتقي الشاي بالمعرفة

“كوب شاهي يا وليد”… هكذا يبدأ النهار عند كثير من الحضارم، حيث يرتادون المقاهي الشعبية كروتين يومي صباحًا ومساءً؛ لتبدأ عندها الحياة الاجتماعية وتنتهي فيها. فقد أصبحت هذه المقاهي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، ومكانًا يلتقي فيه الأصدقاء والمعارف لتبادل الأحاديث وقضاء الوقت. لكن خلف هذا المشهد اليومي المعتاد، تكمن حقيقة مُرّة؛ وهي أننا أهدرنا قيمة هذه المساحات وحصرناها في صورة نمطية ضيقة، فبدلاً من أن يكون المقهى فضاءً يغذي العقل، صار مجرد مكان لضياع أوقات الفراغ في نقاشات واهية لا تسمن ولا تغني من جوع، وأحاديث عابرة تمرّ كما يمرّ دخان الشاي في الهواء، دون أن تترك أثراً ملحوظاً في حياتنا أو وعينا. نحن اليوم نغفل عن الكنز الثقافي المدفون في زوايا هذه المقاهي، ونكتفي منها بضجيج الأفواه وصمت العقول.

إنّ المقهى في جوهره لم يكن يومًا مكانًا للهو العابر، والتاريخ يخبرنا ذلك بوضوح. فلو عُدنا لما نشرته “اليونسكو” في مقالها “المقاهي.. غليان ثقافي“، لوجدنا أنها كانت منذ القرن السادس عشر المصنع الحقيقي للرأي العام في أوروبا والشرق الأوسط والمختبر الأول لأعظم الأفكار حيث كانت تتناوب الفناجين على الطاولات، حتى غدت المقاهي جسرًا يربط بين عُزلة الفرد وحيوية الجماعة. لكن اليوم، تغيّر الحال كثيرًا، وصارت المقاهي الشعبية في أغلبها مكانًا لضياع الوقت لا أكثر، وبدلاً من أن تكون جلسة الشاي فرصة لتبادل فكرة مفيدة أو حوار هادئ، تحولت في كثير من الأحيان إلى مجالس للصراعات والمشادات حول السياسة، أو مكانًا للقيل والقال والنميمة التي لا تنتهي، ونخرج منه بنفس العقول التي دخلناه بها، دون أن نقرأ صفحة أو نتعلم شيئًا جديدًا يغير من واقعنا.

وفي قلب هذا الواقع، تبرز تجربة حيّة من مدينة المكلا تعيد للمقهى اعتباره، وتحديدًا في ذلك الركن الذي يقع تحت أحد جسور المدينة المطلة على الخور؛ هناك في مساحة كانت مهجورة ومنسية لسنوات، تحول المقهى الشعبي البسيط إلى مزارٍ يومي لا يُطلب فيه الشاي فحسب، بل تُطلب فيه المعرفة أيضاً. المكان متواضع بملامحه، لكنه غني برفوفه الخشبية التي تحمل كتبًا متنوعة، شكلت مكتبة صغيرة تكسر روتين الجلوس الطويل كما رصده تقرير لقناة السعيدة؛ حيث تجد شبابًا وكبار سن يطالعون الكتب بهدوء بعيدًا عن ضجيج الشارع، في خطوة يصفها “محمد بن شبراق” صاحب المقهى بأنها جاءت استجابة لرغبة الرواد، خاصة المتقاعدين منهم في استغلال أوقاتهم بما يفيد. ويؤكد “عبدالله” أحد الرواد الدائمين، أنّ هذه المكتبة أصبحت مكانًا يجد فيه الناس إجابات لأسئلتهم من خلال روتينهم اليومي لشرب الشاي.

هذا التحول ليس محصورًا في المكلا، فالتجارب العربية لا سيما في المملكة العربية السعودية تقدم نماذج ملهمة كما ورد في مقال “المقاهي الثقافية.. محاولة استعادية“؛ ففي مكة المكرمة، أعاد مقهى “هافانا” الروح للأمسيات الشعرية والفعاليات الأدبية، حيث يؤمن مؤسسه حامد القرشي بأنّ “الثقافة يجب أن تذهب إلى الناس في المقهى، بدلاً من أن يذهبوا هم إليها في الأندية الرسمية”. وفي جدة يشير الإعلامي كمال عبدالقادر، مؤسس مقهى “أرومشي” إلى أنّ إقبال الرواد على القراءة يعكس استعدادً ثقافيًا حقيقيًا لدى المجتمع، وهو ما يراه الشاعر أحمد الزهراني إضافة إيجابية للحراك الثقافي، شريطة أن تتوفر لها الاستمرارية والتخطيط.

ولكن، كيف نجعل من هذه التجارب واقعًا معممًا في كل مقاهينا؟

إنّ عجلة التغيير لن تدور فعليًا إلاّ حين يدرك صاحب المقهى أنّ دوره الحقيقي لا يقتصر على إعداد الشاي وتقديمه لمرتاديه فحسب، بل يصل إلى خلق أثر واضح في عقولهم والمساهمة الفاعلة في صناعة وعيهم، والسبيل إلى ذلك ليس بالتعقيد الذي نتخيله بل في خطوات عملية تنساب مع طبيعة المقهى؛ فبدلاً من الأخبار المقلقة التي تبثها الشاشات يمكن عرض وثائقيات قصيرة أو برامج للمعلومات العامة تفتح باب الحوار البناء، بالإضافة إلى تخصيص ركن هادئ يحمل صحفًا ومجلات وكتبًا خفيفة تغري الرواد بالاطلاع. كما يمكن للمبادرات الشبابية أن تقوم بدور فعّال يعكس مدى ارتباط الثقافة بالمجتمع بعيدًا عن القوالب الفكرية الجامدة والخطاب المتكلف الذي غالبًا لا يفهمه إلا نخبة الناس، لتفتح نقاشات بسيطة وعفوية مع المرتادين حول قضايا تهم حياتهم مما يكسر الحاجز النفسي بين المواطن البسيط والكتاب، بالإضافة إلى تزويد المقاهي بحقائب كتب دورية تتغير باستمرار، مما يخلق حالة من الترقب المعرفي، ويحول الجلسة من مجرد انتظار عابر إلى رحلة استكشاف ممتعة.

إنّ نتائج هذا الحراك لن تتوقف عند حدود المعرفة بل ستنعكس على سلوكنا اليومي، فعندما ينشغل العقل بفكرة ملهمة، يهدأ صخب المشادات الكلامية، ويحل الاحترام والإنصات محل الصراع والخصام. سننجح حينها في تحويل المقهى من بيئة لاستنزاف الطاقات إلى فضاء آمن للجيل الجديد، يتعلم فيه الشباب من كبار السن أدب الحوار ومعنى استثمار العمر، بدلاً من الفراغ الذي يجرهم نحو سلوكيات لا تخدمهم ولا تخدم مجتمعهم.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ المقهى الشعبي هو المرآة الصادقة لوعينا؛ فبين رشفة شاي وحديث عابر، يمكن أن تولد فكرة تغير حياة، أو تُقرأ صفحة تفتح آفاقاً جديدة لم نكن نراها من قبل. إن الرهان اليوم ليس على “ديكور” المكان، بل على قيمته المضافة في تحويل هذا الروتين اليومي إلى فعل حضاري يليق بإرثنا؛ لأن مقاهينا ليست مجرد كراسي خشبية صماء، بل هي منصات قادرة على بناء مجتمع أكثر تماسكًا وفهمًا، إذا ما قررنا بكل بساطة أن نجعل من “جلسة الشاي” لحظة تنوير حقيقية.

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع

    المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً