بعد مرور ستةٍ وعشرين ربيعًا، تمضي الأيام وتتسع رقعة الحداثة، وبين صخب المدينة وهروبًا إلى هدوء الذاكرة، حملني قلمي اليوم إلى مشارف قريتي الصغيرة “ردفان“. هناك عند تخوم الريف رأيت الحداثة تتوغل في كل مفاصل الحياة. بقي المكان وتبدل وجه الزمان القديم دون أن يبقى له أثر إلاّ ما تحفظه الذاكرة، ومع ذلك ما زال الريفيون يتفننون في موسم الحصاد الجماعي كعهد قديم لا يشيخ، مشقة مشتركة وفضاء يحتفظ بسره القديم.
عُدتُ بقلمي ممتلئ الحبر الى ذكريات الموسم؛ لأنه أجمل ما قيل لي عن موسم الحصاد في ريف قريتي. إنّه إذا حمل المنجل في كف الحصاد، محيت الفوارق وذابت المسافات، لتتسع الأرض لملحمة إنسانية كبرى تجعل منها مائدة للجميع؛ فهو موسم “الجماعة” الذي لا يفرق بين يد تعطي ويد تأخذ. فيه تفتح أبواب الرزق للفقراء والمساكين ليكونوا شركاء في الغنيمة كما كانوا رفقاء في الكدح، فتتحول السنابل الى جسور من التكافل، تضمن أن يفيض خير التراب على كل جائع، ويغدو العمل المشترك طقساً مقدساً يرمم شروخ المجتمع.

لوحة الجهد المشترك ريف مشترك في قلب الأدب
يسمى موسم الحصاد في الريف بـ”موسم الجماعة”، وذلك لأنه وقت يتحد فيه الأهالي وتتآلف قلوبهم وتتوحد جهودهم تحت شمس واحدة وعلى رغيف واحد. في مشهد الحصاد الأول يمضي الرجال إلى الحقول مع أول خيط للفجر، يحملون أدواتهم، وتتناثر ضحكاتهم بين ضربات التعب فرحًا، وكأنّهم يرقصون على إيقاع المنجل الحصاد. وعندما تميل الشمس قليلًا، وكأنّها تفسح للراحة طريقًا بين أكتاف النهار، يترك الحصّادون مناجلهم تستريح على أطراف الحقول، وتمضي خطاهم، متعبة لكنها مطمئنة، نحو ظل شجرة السدر العتيقة.
تجتمع الأيدي، كلٌّ يحمل ما تيسر من زاد، ثم ترص الأطعمة على الأرض مباشرة فتفوح منها رائحة الخبز الطازج والشاي الأحمر… عندما عادت بي الذاكرة إلى المشهد تذكرت رواية “زينب” للأديب “محمد حسين هيكل”. قرأت اقتباسًا جميلًا يقول: “كانت الشمس قد أخذت تتوسط كبد السماء، واشتد الحر، فمال الفلاحون إلى الظلال القريبة من الحقول، وجلسوا يتناولون طعامهم البسيط، يتجاذبون أطراف الحديث في هدوء، وقد بدت عليهم أمارات التعب، ولكنّهم لم يفقدوا روح الرضا التي تعودوها في حياتهم”. هيكل رسم بقلمه لوحة للجماعة التي تتماسك ببعضها رغم التعب في مشهد حي وجميل، ظل عالقًا في تاريخ الأدب الريفي.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، هناك، نساء جئن يحملن الطعام، يضعنه بحنو ثم يجلسن قليلًا، يراقبن الوجوه وهي تستعيد عافيتها مع كل لقمة. وأُخريات ما زلن في الحقل، تنحني ظهورهن للأرض حتى ينتهي الرجال من تناول الطعام. ويكتمل جمال المشهد عندما يمتلئ المكان بضحكات الأطفال تراهم يركضون خلف فراشات الوادي المختلفة الألوان يوقظون بضجيجهم باقي الحشرات التي كانت تغفو فوق السنابل.
الجميل في الموسم التراثي هذا بأنّه ليس مجرد طقس قروي نمر عليه مع مرور السنين عابرين، بل هو وثيقة وقانون فطري صاغه التراب لكل ريف على هذه الأرض؛ فعندما أنظر إلى موسم الحصاد في ريف قريتي ثم أقرأ في الأدب العربي والإنجليزي أجد قاسما مشتركًا بيننا. في الحقيقة إنّ موسم الحصاد لغة عالمية يجيد الجميع التحدث بها، وإنّ هذا التلاحم الفطري بين الإنسان والأرض، وهذا الانصهار الفردي في روح الجماعة بأجمل صورة، فلسفة بقاء صاغها الأدباء في أنصع صورها. ففي رواية “الحرام” الشهيرة يختزل الأديب المصري “يوسف إدريس” فلسفة الريف المصري، بل ولعله يخط ببراعته جوهر الأرياف قاطبة قائلا: “كانوا يخرجون إلى الحقول جماعات، يعملون معًا، ويتقاسمون التعب كما يتقاسمون الرغيف”. وفي رواية “تيس من آل دوربرويل: امرأة طاهرة” يقدم الكاتب الكبير “توماس هاردي” في وصفه لموسم الحصاد لوحة ريفية يتداخل فيها العمل بالحياة اليومية، حيث يتشارك أهل القرية الجهد في مشهد واحد يعكس روح الجماعة أكثر من الفرد.

وقد ظهر الحصاد عند هاردي كطقس جماعي ريفي يعتمد على التعاون الكامل بين سكان القرية، ويعكس وحدة اجتماعية طبيعية ناتجة عن الحاجة والعمل المشترك.
ولا يختلف الأديب الروسي “ليو تولستوي” في روايته الشهيرة “انا كارنينا” عن سابقيه من الأدباء فقد اعتبر أنّه “كلما طال عمل ليفين في الحصاد، ازداد شعوره ببهجة العمل”، في إشارة إلى أنّ الانخراط في الجهد الجماعي في الحقول لا يخلق الإنتاج فقط، بل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين.
نواة الحب الأولى وأبجدية العهد القديم
لا يقتصر موسم الحصاد في أريافنا على كونه صراعًا شريفًا مع الأرض لاسترداد خيراتها، فهناك وجه آخر للموسم أكثر رقة وعاطفة، إذ يتحول الوادي إلى ساحة لتعارف الأرواح وتآلفها. قيل لي إنّ سعادة الأسرة وتماسكها كنواة أولى للمجتمع انبثقت هناك في نفس الموسم، وكانت أكثر رقيًا والتزامًا بالوعد والعهد وقواعد الأخلاق والأدب. شخصيًا قررت أن أتأكد بنفسي، لم أعتمد على أمي هذه المرة، بل مضيت أفتش عن الحقيقة في وجوه الذين عبروا النهر إلى ضفته الأخرى، والذين لم تزد السنين قلوبهم إلاّ نصوعًا، فوجدت ضالتي في ملامح اختصرت حكاية جيل كامل.
جمعني اللقاء في ممرات العمر الضيقة، حيث تتكئ تسعون عامًا من الذكريات على عصا التجربة، أخبرتني سيدة تسعينية تخيط وجهها تجاعيد الزمن المنسي، وعينان غائرتان لكنهما تشعان ببريق من رأى الدنيا على حقيقتها. تقول لي وهي تستعيد نبض قلب قديم: “تزوجت عن حب في موسم الحصاد، يوم أقبلت لجمع سنابل الدخن مع أم زوجي”. وأخبرتني عائدة إلى الماضي أنّ أكثر قصص الحب قديمًا نبتت من طين الأرض وأكدت السيدة أنً كثيرًا من قصص الارتباط كانت تحدث في موسم الحصاد وعلى مورد الماء والوديان؛ وذلك لأن المرأة تكون في هذه الأماكن على طبيعتها ودون تكلف.

وحتى الكتاب المقدس في العهد القديم يروي لنا أشهر قصص الحب في موسم الحصاد، وهي قصة “سفر راعوث”، تلك التي ولد حبها في موسم الحصاد، وتحوّل إلى أسرة أنجبت تاريخًا، القصة حدثت في ريف “بيت لحم” في موسم حصاد القمح، بين المؤابية “راعوث” والسيد “بو عز”. يخبرنا التوثيق أنّ هذه العلاقة أسست أسرة ملكية امتد أثرها عبر أجيال. ويظهر لنا التراث الديني اليهودي أنّ زواجهما الذي بدأ في سياق العمل في الحقول، أثمر ابنًا هو عوبيد، الذي أنجب يسى، والد الملك داود. وبهذا المعنى، فإنّ هذه الأسرة لم تنتج استقرارًا اجتماعيًا فحسب، بل ساهمت في تشكيل واحدة من أبرز السلالات في التاريخ الديني، حيث ينتمي إليها لاحقًا الملك سليمان.
عن الحداثة والحصاد
على مقعد هذا الجيل الذي يركض خلف الحداثة، أجلس أنا وأمامي قلمي وقد انتصف ماؤه، بصفتي ابنًا لهذا الزمن المثقل بالأسئلة. يُفتّش عن ذاته بين الركام وسط زحام المتغيرات، وجدتني انحاز بفطرتي إلى موسم الحصاد كمرايا من التماسك والألفة. أراه بعين التقدير ذاتها التي أبصر بها الأجداد قيمة الأرض؛ فهو عقيدة الجماعة، ومحراب الأسرة، والمنصة التي يعلن فيها المجتمع عن تلاحمه الصادق. وكأنّ لسان حالنا يردد مع الشاعر نبض تلك اللحظة: “إذا اجتمعنا على الزرع استقامت خطانا.. وصار الحصاد أغنية في الحقول”. فالحقيقة التي لا تقبل التأويل هي أنّ السنابل لا تنحني أمام المناجل إلاّ لتستقيمَ أخلاق البشر في التعاون.
غير أنّ هذا التصور لا يحظى بإجماع كامل، خصوصًا أولئك الذين تأثروا بحداثة ما بعد العقد الثاني من الألفية، فثمة أصوات ترى في الطقوس الاجتماعية القديمة عبئًا يمكن تجاوزه، يمكن لأنّ رؤيتهم تشكّلت تحت ظل حداثة سريعة، قطعت ما بين الإنسان وذاكرته بخيط رفيع من الاستغناء. هؤلاء ينظرون إلى موسم الحصاد كأنّه أثرٌ من زمن مضى، لا ضرورة له في إيقاع العالم الجديد.
لكن الواقع، حين ينصت إلى نفسه ببطء، يهمس بعكس ذلك؛ فالتخلي عن الجذور لا يصنع دائما طريقاً إلى الأمام، بل قد يفتح أبوابا لتكرار الأخطاء ذاتها، وإن ارتدت ثوبا أكثر حداثة وبريقاً. كأن التاريخ لا يمحى، بل يعيد كتابة نفسه بصيغ مختلفة، حين لا يجد من يقرأه جيداً.
وفي قلب هذا الجدل الممتد بين القديم والجديد، يطل صوت الباحثة في التعاون المجتمعي وإدارة الموارد المشتركة إيلينور اوستروم، الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2009. فقد خلصت في دراساتها إلى أن المجتمعات المحلية، وخصوصاً الريفية منها، تقوم على شبكة كثيفة من الأعراف والتقاليد التي تنظم الفعل الجماعي وتدير الموارد المشتركة. وتشير نتائجها إلى أن هذه القواعد بنية حية تنتج الثقة بين الناس، وتعيد تشكيل معنى التعاون اليومي، بما يضمن استقرار المجتمع ويعزز تماسكه الداخلي، كأنما الجماعة لا تعيش بالقانون وحده، بل بما يتوارثه الناس من اتفاق غير مكتوب على أن يبقوا معا.
وخلاصة يمكن القول إن الأمملا تموت حين تتعب في الحقول وتحيي تراثها بل حين تقنع نفسها أن التراث القديم لم يعد ضرورة لتماسك المجتمع، فما تزال الحقيقة الأولى ثابتة رغم تغير الأزمنة، ولا نجاة ليد تحاول أن تحصد وحدها، ولو امتلكت كل آلات العصر.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.