“شي لله يا عيدروس“، نداءٌ لم يكن يومًا استغاثة روحانية في أزقّة عدن وحسب، بل كان وعدًا بالسكينة لكل خائف، ومأوى لكل مَن تقطعت به السبل؛ إذ تُظهر مشاهد جميلة من شوارع عدن، وروائح البخور العدني واللبان تنبعث من أروقة “رباط العيدروس” بكريتر، تحفّها تمتمات طلاب العلم، وعابري السبيل، والمشرّدين ممن آواهم الرباط في ظلاله ونسماته الهانئة، فلا جائع يُترك للمسغبة، ولا مطرود يبيت على قارعة الرصيف. هناك، تُطِلّ باقي الأربطة العدنية لتؤدّي دورها التاريخي في كفالة الأيتام، وإطعام الفقراء، وحلّ النزاعات؛ لتبقى هذه الصورة محفورة في ذاكرة عدن المجتمعية بمتانة تُشبه صلابة جبالها الشماء.
لكن هذه الصورة تتلاشى شيئا فشيئا؛ لتحلّ محلها أخرى تُدمي القلوب، حيث تظهر امرأة مشردة في شوارع الشيخ عثمان، لا يأبه لها أحد، حتى نظرها قد خانها حين تمدّ يدها للمارين، فلا تعلم من الكريم ومن البخيل. لا يواسي وحشتها سوى شاب صومالي شريد ينام في الجهة المقابلة، قذفه اليمّ إلى سواحلنا مع الآلاف من رفاقه اللاجئين علّهُ يلقى النجاة، فإذا به يخنقه عادم السيارات وتشوي جلده شمس عدن، يؤرّقهم الجوع والعوز والتراب، وأمثالهم كثير من أطفال النازحين ممن ذرتهم رياح الحرب في شوارع “أم المساكين”.
ما بين هاتين الصورتين دهر من تراجع العمل المدني المؤسّسي والحقيقي في عدن، ملامح مؤلمة تتجسّد في وجوه المشرّدين عنوة في أزقة المدينة! كيف تحول المشهد ليصبح قاتمًا هكذا؟! ولماذا بعد عشر سنين من عمل منظمات المجتمع المدني لا يزال هؤلاء في الشوارع؟! وهل نستطيع اليوم استحضار قواعد التكافل العدني الموروثة لنبدأ رحلة استدامة جديدة؟!.
في حواري عدن العتيقة، وحيث تُعانِق الجبالُ البحرَ، لم تكن المآذن علامات للصلاة وحسب، بل كانت مناراتٍ للنجاة. هناك ظهرت الأربطة، التي تُعرف بأنها مؤسسات جامعة تتكوّن من مسجد وغرف مخصصة لإقامة الغرباء ومدرسة ومطبخ ومكتبة ومرافق خدمية أخرى، كأن تكون مكانا للوضوء وبئرا للماء، ومخازن للحبوب والسلع، وتقوم على نظام مالي وإداري دقيقين، يشرف عليها بالتوازي أشخاص ثقات كالناظر، وهو المسؤول الإداري والمالي، بالإضافة إلى شيخ الرباط، وهو المرجعية الدينية، ثم يأتي دور باقي القائمين بالخدمات العامة سابقة الذكر.
حين نخطو في أزقّة القرن العاشر الهجري، يتردّد صدى اسم الإمام أبي بكر بن عبد الله العيدروس. يحكي المؤرخ “حمزة لقمان” كيف تحوّل هذا الرباط إلى نبضٍ لشبكة أمان اجتماعي لا تعرف التمييز، حيث كان يداً ممدودة بالخير، فما إن يحلَّ غريبٌ بالمدينة، أو يضيق الحال بفقير، حتى يقصد “العيدروس” ليجد السكن والطعام والكسوة من دون حاجة لسؤال. ويروي المؤرّخ “عبد الله محيرز” كيف كانت الأوقاف تضمن توزيع القهوة “القشرية” والحلوى العدنية في المناسبات، لتمحو الفوارق بين غنيّ المدينة وفقيرها في “ختومات رمضان” المبهجة، حيث يجلس الجميع على بساط المساواة وعلى مقربة من حلقات العلم، شَيّد “رباط المشهور” أركانه ليكون وطنًا بديلًا للمهاجرين وطلبة العلم، يتكفّل بكلّ تفاصيل حياتهم. لكن أعظم أدواره تجلّت في أنّه “محكمة اجتماعية” تُحَل فيها النزاعات بالتراضي. وفي خفاء الليل، كما يروي الحبيب أبوبكر العدني المشهور في كتابه “لوامع النور”، كان تجار عدن يضعون زكواتهم في يد القائمين على الرباط؛ ليقوم الطلاب بتوزيعها سرّا على البيوت المتعفّفة، صوناً لكرامة الناس، وحفظاً لحيائهم مِن ذلّ السؤال.
إنّ المتأمل في تاريخ هذه الأربطة يُدرك أنها كانت “مؤسسات مجتمعية شاملة”، ففي أوقات الأوبئة والقحط، تحولت إلى مراكز إغاثة طبية ونفسية، تداوي المنكسرين وتدعم الأرامل والأيتام مادياً ومعنوياً. لقد كانت الأربطة هي الضمير الحيّ لعدن، والمظلّة التي أثبتت أنّ التكافل هو السر. فكيف استطاعت هذه الأربطة في عام 1500م بناء دولة مؤسّسية للتكافل بتمويلات ذاتية وطنية، بينما يوجد في عدن اليوم ما بين 800-1000 مؤسسة ومبادرة مجتمع مدني، بحسب تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية، ولم تستطع على مدى عشر سنوات “منذ ما بعد الحرب” القيام بهذا الدور التنموي المستدام؟
وفي عدن اليوم، النسبة الأكبر من المهاجرين الأفارقة باليمن، ويُقدر عددهم بـ330,000 مهاجراً، حسب منظمة الهجرة الدولية، وفي مديرية المنصورة وحدها 2877 حالة تشرد، بحسب دراسات مركز سوث 24 (2024-2025)، والنسبة الأكبر منها 93% هي ظاهرة دخيلة مرتبطة بالنزوح والحرب.
تُجيب الباحثة الاجتماعية والحقوقية “فاطمة أحمد” عن هذه المفارقة قائلة: “أربطة عدن استمدّت قوتها من الأوقاف المستقلّة وصدقات التجار، بينما تعتمد منظمات اليوم على منح دولية مؤقّتة حوّلت العمل الإنساني إلى ما يشبه المقاولة المؤقّتة! الأربطة كانت مراكز إشعاع قيمي يقودها مصلحون، بينما تُدار المنظمات بعقلية بيروقراطية جافّة تهتم بالأرقام والتقارير لإرضاء المانحين لا الناس. الأربطة كان أثرها تراكميًا يبني الإنسان قاضياً ومعلّماً، بينما يغلب على المنظمات الطابع الإغاثي الاستهلاكي الذي ينتهي بانتهاء المعونة. الأربطة كانت ابنة الحيّ وأبوابها مفتوحة، بينما تنعزل المنظمات خلف معايير استهداف معقّدة وشروط تقنية باعدت بينها وبين المحتاجين الحقيقيين”، وتضيف فاطمة أنّ المؤسسات الحكومية، كدار العجزة والمسنين، طاقتها الاستيعابية محدودة في ظلّ تفاقم الأوضاع، مما يجعل الحاجة ملحة لإطلاق عملية تكافل مجتمعي كبرى مبنية على أسس عدن المتنوعة وتاريخها الثري.
ورغم ذلك، أطلّت في عدن في السنين الأخيرة بعض المبادرات التكافلية التي اتخذت من إرث الأربطة منهجاً يُحتذى به في العمل التكافلي والإنساني، ومن هذه النماذج “منتدى عدن الثقافي الاجتماعي بكريتر”، يقول رئيسه أصيل الكهالي: “في قلب عدن، يبرز المنتدى كذراع حيّ لرباط الإمام العيدروس، ليحيل القيم الموروثة إلى واقع ملموس. بمنهجية معتدلة، نواجه غبار التطرف والمخدرات، ونحصن الشباب ببرامج تربطهم بهويتهم الأصيلة. نحن لا نستحضر سير العظماء كحكايات للماضي، بل كأدوات إصلاحية تقرأ الواقع وتصنع المستقبل، مع تدخلات تكافلية تلامس الأرض”.
ويتجلّى هذا الدور في “مسجد الهجرة” بالمنصورة، الذي تحوّل إلى “غرفة عمليات التكافل” والامتداد المعاصر لموروث عدن في الإغاثة، حيث تتحوّل التوجيهات إلى أرغفة خبز، وصيدلية مجانية، وسلال عون، وتدخلات طبية طارئة تلامس أوجاع الناس وتخفّف عنهم وطأة العيش.
إننا اليوم بحاجة لترجمة هذا الإرث إلى سياسات عمل مدني مستدام، بتوطين التمويل (نظام الوقف الحديث) الذي يتجلّى بدعوة المنظمات المحلية لتخصيص جزء من مشاريعها لإنشاء “أصول وقفية” (عقارات، استثمارات) يُخصّص ريعها للاستدامة، تماماً كما فعلت الأربطة قديماً. كما ينبغي العمل على تحويل المنظمات إلى “أربطة تدريبية” تُخرِّج مهنيين يمتلكون أدوات الانتاج؛ ليكون الأثر باقياً في بناء الإنسان، لا مجرد استهلاكه للمعونة. وينبغي التأكيد على أهمية القيادة الاجتماعية الحيّة بالعمل على أن يقود العمل المدني شخصيات تحظى بثقة الحافة والحيّ، تلتصق بالناس وتفهم احتياجهم بعيدا عن العزلة التقنية.
وفي الأخير، ينبغي التأكيد أيضاً على أنّ استعادة دور عدن الريادي في التكافل لا يمرّ باستنساخ تجارب خارجية، بل عبر “عدننة” العمل المدني، بتطعيم المنظمات الحديثة بقيم الأربطة من حيث الاستقلالية، والاستدامة، والتركيز على بناء الإنسان. نتوجّه بهذا النداء المباشر إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والتجار والمنظمات: “الوقت قد حان لنعيد لعدن وجهها الذي عرفته منذ قرون دارًا للمساكين، وملاذًا للغرباء، ومنارةً للتراحم الذي لا ينطفئ نوره مهما اشتدّت الكروب“.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.