الشعر الشعبي حضرموت لسان المجتمع صوت السلام
article comment count is: 0

الشعر الشعبي في حضرموت  لسان المجتمع وصوت السلام

في صباح أحد الأيام الجميلة عند أبناء منطقة تاربة بمديرية سيئون سيتم فيه افتتاح أحد المجمعات التنموية النموذجية الذي يحتوي على مدرسة ووحدة صحية ومسجد ومساحة آمنة للأطفال تخدم المئات من أبناء المنطقة، لكن الفرحة كانت منقوصة لدى القيادات المجتمعية ومسؤولي المنظمة المنفذة والطلاب لعدم قدرة الإدارة التربوية على توفير كادر تعليمي للمدرسة نتيجة ظروف الحرب وضعف الإمكانيات.

كان للشاعر الشعبي خليل باسيف طريقته الخاصة عبر قريحته الشعرية، مستغلًا وجود قيادة السلطة المحلية، للتعبيرعن هذه الحاجة، فقال في قصيدته:

مجمع الأندلس درّة بناء …  عشرة على عشرة

يزر كل من لحق زرّة  …    كأنه  إلا قمر شعبان

وأيضًا مدرسة تعليم …     حلوة رائعة تصميم

متى بيصدر التعميم ؟ …  فيها يدرسون الآن

نريد المدرسة تعمل …    وذا الإنجاز لا يهمل

عسى التدشين ذا يكمل… ليصبح به كل أبو فرحان

فبعد سماع قيادة السلطة المحلية للقصيدة استفسرت عن سبب المشكلة، ووجه خلال الحفل  بمعالجتها، وانطلاق العملية التعليمية مع انطلاق العام الجديد وسط فرحة كبيرة لدى الجميع. فهل يكون الشعر الشعبي  لسان حال المجتمع؟ وكيف يمكن أن ينقل همومه ويعبر عن تطلعاته  ويشكل أداة ضغط  للتأثير على صاحب القرار؟

القصة أعلاه تجسيد للدور الوظيفي الإيجابي للشعر الشعبي الحضرمي حيث يتحول فيه الشاعر من فنان إلى مصلح اجتماعي ومعبر عن صوت المجتمع واحتياجه.

فتاريخ حضرموت السياسي والاجتماعي يمكن قراءته من خلال أبيات الشعر الشعبي التي ساهمت في تشكيل تحولاته ومعرفة قادته السياسيين والاجتماعيين للواقع، فقد اُستخدم الشع كأداة دبلوماسية فاعلة وقناة اتصال سياسي إبداعي، فكان له صوت يفوق صوت المدافع والرصاص في كثير من الأحيان، وفعل مؤثر لإرساء دعائم التسامح والتعايش والسلام. ولعل الشاعر السياسي حسين بن حامد المحضار (1865-1927) أحد أبرز الوجوه السياسية المؤثرة التي استخدمت الشعر الشعبي لتفكيك عقدة النزاعات المستعصية سواء تلك القبيلة، أو التي تنشأ بين السلطنتين الكثيرية والقعيطية، وهو الرجل الذي كان يشغل منصب وزير في الأخيرة حتى لُقب بـ”بسمارك حضرموت”. فمن أبياته  في الجانب الدبلوماسي والسياسي ودعوته للتعايش والتقارب، قوله:

يا كثيري ويا قعيطي كفى الفرقة كفاكم

يجمع الله شملكم والعدا ما تشفاكم

وسعى الشاعر من خلال عمله السياسي وقصائده الشعرية التي استخدمها رسائل سياسية واجتماعية تحث على وحدة الصف، ونبذ التعصب والفرقة، حتى توجت جهوده مع الخيرين إلى عقد ما سُمي بحلف الإخاء والصداقة بين الدولتين القعيطية والكثيرية.

وفي النقد البناء برز الشاعر الحضرمي الكبير حسين أبوبكر المحضار الذي كان يُمثل حزبًا للمعارضة والتصحيح بكلمته الصادقة، وإلقاءه الشعر بلسان حال المواطن والمجتمع،  ففي انتقاده  للأوضاع الخدمية وضعف أداء أجهزة الدولة يقول في قصيدته الشهيرة (عودت نفسي على الجلد والصلابة):

منيحتك كانت تسوي حلابة

وتفت منها للسقل والشيابة

واليوم قد ضعفت وقد ظهرها الشيب

عافت مراعي الراك

كل من استأمن على زمانه يصلح له

يا صاحبي قل له خرب مبناك

مثلت هذه الابيات والموقف جزءًا من استراتيجية ثقافية عميقة الجذور في الشخصية الحضرمية تعتمد على النقد من الداخل وبناء قيم التسامح عبر استدعاء الموروث الديني والأخلاقي،  فالشعر الشعبي كان دائمًا هو الميزان الذي يزن الأخطاء الاجتماعية ويقومها قبل أن تتحول إلى ظواهر مُدمرة للنسيج الوطني.

في الآونة الأخيرة تراجع دور الشعر الشعبي وخاصة مع في ظل الحرب؛ حيث عزف الكثير من الشباب عن ممارسته أو استخدام فنونه في الأفراح، ويعزو المختص في الشعر الشعبي الأستاذ والشاعر رياض باسلامة ذلك إلى” ضعف التعاطي الإعلامي مع الشعر الشعبي، وعدم رغبة شعراء المدارة الشباب في الظهور الإعلامي، ناهيك عن التكاليف المتزايدة لإقامة مثل هذه الفعاليات والجلسات في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي حدت بدورها من التعاطي العام مع هذا الفن الحضرمي الأصيل”.

حقيقةً يمثل الشعر الشعبي في حضرموت أحد أعمدة التراث الثقافي اللامادي باعتباره أداة تواصل شعبي حُر بين القاعدة الشعبية وبين القيادة والنخبة، ويسعى المجتمع من خلاله إلى نقل وتعزيز القيم الحميدة التي تعزز الهوية والثقافة والانتماء، بالإضافة الى دوره الجوهري في حل النزاعات وحقن الدماء وتعزيز التعايش المجتمعي. كل هذا تتطلبه المرحلة الراهنة التي نحتاج فيها إلى تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لحماية هذا الفن من الاندثار أو التشويه. إنّ عزوف بعض الشباب عن التعاطي مع الشعر الشعبي بسبب الاستقطابات الحادة أو دخول لغة التجريح في بعض المساجلات يمثل جرس إنذار يجب الانتباه له، لذا يجب دعم المبادرات الثقافية التي تهدف إلى إعادة الاعتبار لـ “المدارة” كفضاء تربوي وتوعوي، وتكريم الشعراء الذين يحملون مشعل الحكمة والإصلاح.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً