دخان يتصاعد من إحدى صالات مطار عدن | تصوير: مراد محمد سعيد
article comment count is: 4

لهب وحطام وأشلاء.. لحظات عشتها في الهجوم على مطار عدن!

وصول حكومة الكفاءات السياسية إلى العاصمة المؤقتة عدن، خبر طالما انتظرناهُ وانتظرهُ كثير من أبناء عدن والوطن أجمع، لأن هذا الخبر يحمل خلفه تباشير كبيرة، أهمها إيقاف الحرب في أبين وتحسن سعر الصرف المحلي أمام العملات الأجنبية، وعودة الحياة الطبيعية لمدينة عدن، العاصمة المؤقتة، ولو بشكل جزئي وتدريجي.

كل هذه الأمنيات البسيطة التي كان ينتظرها المواطن اليمني فور وصول الحكومة الجديدة وتطبيق اتفاق الرياض لم تدم طويلًا.. لم يرق هذا الأمر لقوى الدمار والقتل والإجرام، وبدلاً من فرش السجاد الأحمر للحكومة فرشت هذه القوى الإجرامية ساحات المطار بالدماء والجثث والأشلاء.

كغيري من الزملاء جهزتُ حقيبتي وكاميرتي في مساء الثلاثاء 29 ديسمبر، واستيقظت في صباح يوم الأربعاء 30 ديسمبر -موعد وصول الحكومة- عند الساعة الثامنة صباحاً وحملت حقيبتي ثم ركبتُ سيارتي وانطلقت باتجاه مطار عدن الدولي في مديرية خور مكسر.

وصلتُ المطار في الموعد المحدد عند الساعة التاسعة صباحاً، هناك وجدت عدداً كبيراً من المسؤولين يتقدمهم محافظ المحافظة “أحمد حامد لملس”، ومدير أمن عدن المعين “طاهر الشعيبي”، وعدد كبير من رجالات الدولة من المدنيين والعسكريين.

دخلت صالة المطار وجلست في إحدى الزوايا مع عدد من الزملاء الصحفيين، وسرعان ما انتقلنا إلى خارج صالة المطار باتجاه مدرج الطائرة، تحديداً في موقع مرتفع من الأرض يكسوا أرضيته عشب أخضر تم تخصيصه كموقع للإعلاميين ومراسلي القنوات المحلية والدولية.

قام الزملاء مراسلو القنوات بتركيب أجهزة البث ونصب كاميراتهم في نفس هذا الموقع المرتفع عن الأرض بحوالي مترين، وجلست أنا برفقة عدد من الزملاء بينهم الزميل أديب الجناني، مراسل قناة بلقيس الذي استشهد لاحقاً في الحادث. قعدنا على مقربة من أحد أجهزة البث كنا نتناقش ونتبادل أطراف الحديث، وكان جلّ حديثنا عن وصول الحكومة وما يمكن أن تقوم به من واجبات باتت ضرورية وملحة في بلد أنهكتهُ الحرب وما نتج عنها من ويلات الجوع والمرض والعوز.

مقهور عليك صديقي العزيز وزميلي أديب الجناني
لم أكن أعلم أن هذه الصورة آخر صورة لي معك، وأن لقائنا اليوم هو آخر لقاء في…

تم النشر بواسطة ‏نجيب محفوظ الكلدي‏ في الأربعاء، ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٠

 

وقبيل وصول طائرة الحكومة بدأت الجهات المعنية بالترتيبات النهائية، حيث تم تحديد موقع الاستقبال لكبار المسؤولين وتم فرش السجاد الأحمر، كما تم تحديد المكان الذي يقف فيه المصورون الفوتوغرافيون، وهو المكان المقابل لموقع الاستقبال يفصل بينهما السجاد الأحمر، كما تم وضع شريط كحاجز ينظم المصورين ويحدد لهم المنطقة الخاصة بهم.

قبل هبوط الطائرة التي تقل رئيس وأعضاء حكومة الكفاءات السياسية اليمنية هبطت طائرة صغيرة تتبع منظمة الصليب الأحمر الدولي عرفنا هويتها من خلال شعار الصليب الأحمر الواضح، المرسوم على جسم الطائرة.

وقد توقفت طائرة الصليب الأحمر في زاوية المطار بعيداً عن المكان الذي سوف تستقر فيه طائرة الحكومة.

في تمام الساعة الواحدة هبطت الطائرة المنتظرة، وعند تأكد وقوفها هرعت الفرق الفنية للقيام بدورها، وتم تجهيز سلم الطائرة الذي سوف ينزل منه رئيس وأعضاء الحكومة، لكن قبل خروج رئيس وأعضاء الحكومة تدافع بعض المواطنين ممن كانوا ينتظرون بجوار صالة الاستقبال باتجاه الطائرة، والبعض صعد على سلم الطائرة، وكل هؤلاء يرددون عبارات وشعارات تمجيد وترحيب باللواء شلال علي شايع مدير أمن عدن السابق، الذي كان واصلاً برفقة الحكومة، والذي تم تعيينه قبل يوم واحد من وصوله عدن ملحقاً عسكرياً في السفارة اليمنية بدولة الإمارات العربية المتحدة.

أوقفت الجهات الأمنية من قوات التحالف المتواجدة قُرب الطائرة نزول رئيس وأعضاء الحكومة، وقامت بإنزال اللواء شلال أولاً، والذي نزل والتحم بالجماهير التي تهتف باسمه وتحمل صوره وعلم الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) سابقاً، وقامت الجماهير بحمل اللواء شلال على الأعناق وهم يحتفون بقدومه بطريقتهم الشعبية، بعيداً عن المراسيم والبرتوكولات الرسمية التي تم الإعداد لها.

أثناء استقبال مدير أمن عدن السابق “شلال شايع” – تصوير خالد السنمي

أشار بعض المسؤولين والجهات الأمنية للبعض بأن يتم تصريف اللواء شلال لكي يغادر المطار بحيث تغادر الجماهير التي حضرت لاستقباله حتى يتسنى للحكومة النزول من الطائرة والقيام بمراسيم الاستقبال الرسمية التي تم الإعداد والتحضير لها.

في هذه الأثناء كانت الشخصيات الرسمية والحكومية من وكلاء وزارات وقضاة وقيادات أمنية وعسكرية يتقدمهم محافظ عدن أحمد حامد لملس مازالت في موقعها منتظرةً نزول الحكومة، حيث يقفون بشكل منظم ومستقيم  على مقربة من الطائرة.

عند مغادرة اللواء شلال المطار راكباً إحدى السيارات التي خصصت له عادت الجماهير المستقبلة له باتجاه صالة المطار، وفي هذه الأثناء حصل انفجار مريع، حوالي الساعة 13:27، وكنت أنا حينها بالقرب من وقوف المسؤولين المستقبلين، نظرت إلى الخلف وشاهدتُ اللهب والحطام المتناثر، أعقب صوت الانفجار إطلاق أعيرة نارية بشكل كثيف ومن مواقع متفرقة، حينها ركضت بالاتجاه الشرقي ولا أعلم ما الأمر، ولم يسعفني تفكيري بتخيل شيء غير الابتعاد عن موقع الانفجار، وبعد حوالي 20 ثانية من الانفجار الأول حصل انفجار آخر، تلاه انفجار ثالث بعد حوالي 25 ثانية. وكنت أشاهد المقذوفات المنشطرة، من آثار التفجير، وبعض الأشلاء تملأ السماء وتتساقط أمامي وعلى يميني ويساري، وأصوات إطلاق الأعيرة النارية من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لم تتوقف.

في تلك اللحظات العصيبة لم أدرك ماذا حصل وبعد ما شعرت أني ابتعدت نوعاً ما عن موقع الانفجارات وقفت أشاهد ماذا يحصل لكني لم أفهم شيئاً!. إطلاق الأعيرة النارية لم يتوقف وأعمدة الدخان تملأ المكان، والناس كلاً يجري في اتجاه، والسيارات تنطلق بشكل عشوائي، الكل لا يعلم ماذا حدث وهل الحاصل انفجارات؟ أم قصف؟! ثم اتضح فيما بعد أنه قصف صاروخي، أصاب الأول واجهة صالة الاستقبال من الجهة الداخلية -أي جهة المدرج وليس جهة الخروج إلى الشارع- بينما سقط الثاني في الموقع الذي يتواجد فيه الزملاء الإعلاميون، مراسلي الوكالات والقنوات التلفزيونية بجوار أجهزة البث والكاميرات التي تبث على الهواء، وهو الموقع الذي كنت متواجداً فيه وتحركت منه قبيل الانفجار الأول بدقائق، والذي أصيب فيه زميلنا الاعلامي أديب الجناني واستشهد متأثراً بجراحه رحمه الله، بينما وقع الثالث في أرضية المطار بالقرب من الصاروخ الثاني.

في هذه الأثناء شاهدت أشخاصاً يجرون ويتسلقون باباً كبيراً على يسار برج المطار ذهبت معهم ونزلنا في حوش صغير وفيه عدد من الغرف عبارة عن سكن لبعض حراسات المطار، ويوجد فيه من الجهة الأخرى بوابة صغيرة توصلك إلى مقربة من بوابة المطار الخارجية. طلب منا الجنود الذين وجدناهم في المكان الجلوس عندهم ريثما تهدأ الأمور ونعلم ماذا حدث!. جلسنا حوالي ربع ساعة ثم غادرنا المطار باتجاه البوابة، ثم أخذت سيارتي وغادرت وأنا لا زلت في شرود ذهني وذهول.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)