يعاني سكان الريف من شتاء قاس، في ظل غياب وسائل التدفئة الآمنة وارتفاع أسعار الغاز، ما يضطر الأهالي إلى استخدام مواقد الجمر والحطب رغم مخاطرها الصحية والبيئية، وتتحمل النساء العبء الأكبر، حيث يعملن ضمن مهامهن اليومية على جمع الحطب وإعداد المواقد للتدفئة.
تقع المسؤولية على النساء في قرى جبل صبر بمدينة تعز الواقعة جنوب غرب اليمن، مسؤولية جمع الحطب وتحضير المواقد التقليدية، عبر إشعال النار للحصول على جمر للتدفئة، وهذه الطريقة تجعلهن عرضة لمشاكل صحية مزمنة نتيجة استنشاق الدخان داخل المنزل، كأمراض الجهاز التنفسي، إضافة الى المجهود البدني الكبير والمخاطر الأخرى التي تتعرض لها النساء، في ظل انعدام التدخلات الإغاثية المخصصة لمثل هذه الظروف المناخية الصعبة.
“البطانيات لا تفي بالغرض لتقينا من البرد، والكهرباء منقطعة وأسعار الغاز مرتفعة وأطفالنا لا يحتملون قسوة الشتاء ونحن في عزلة تامة عن وسائل التدفئة الحديثة”، هذا ما قالته أسماء (اسم مستعار) وهي أم لثلاثة أطفال تسكن رفقتهم في منطقة العروس أكثر المناطق ارتفاعاً في جبل صبر.
تضيف: “يأتي الشتاء ليضاعف المعاناة وتضاف متاعبٍ جديدة إلى متاعبنا اليومية، وذلك لتوفير وسائل التدفئة لأطفالنا وأسرنا لعدم وجود وسائل التدفئة الحديثة، وارتفاع أسعار الغاز فنضطر للتدفئة بالطريقة التقليدية باستخدام الحطب”.
معركة البرد والدخان
ويعد جبل صبر ثاني قمة جبلية في الجزيرة العربية وبلاد الشام حيث يبلغٍ ارتفاعه 3200 متر تقريبًا فوق سطح البحر، ما يجعله من أكثر المناطق برودة في اليمن خاصة في فصل الشتاء، حيث تصل درجة الحرارة إلى التجمد
تصف أسماء المعاناة التي تعانيها أثناء إعداد المواقد التقليدية: “نبدأ بجمع الحطب من مناطق متفرقة، ثم العمل على تجهيز اللهب بالوقوف أمام النار والدخان حتى يتم تحضير الجمر أو تصبح اللهب صافية بلا دخان ونقوم بإدخالها إلى الغرفة لتدفئة الأطفال وهذا يسبب لنا إصابات التهابية متكررة لنا ولأطفالنا”.
وتواصل “نفقد بريقنا ونخسر صحتنا وصحة أبنائنا بسبب الدخان الذي يعمل على تغيير لون البشرة ويفقدها بريقها وجمالها، ويشكل خطراً كبيراً علينا وعلى أطفالنا، وفي وضع كهذا نجد أنفسنا مجبرين على هذا البديل ولو كان الثمن صحتنا”.
أمراض خطيرة
يوضح مدير مركز السل الرئوي بمحافظة تعز، الدكتور سعيد سفيان، أن التدفئة بالوسائل التقليدية داخل المنازل، والأماكن المغلقة ضعيفة التهوية، ترفع مخاطر الاختناق بأول أكسيد الكربون، وتزيد من حالات السعال المزمن، وضيق التنفس، وتهيّج العينين والأنف والحلق، إضافة إلى الصداع والدوخة، ومع التعرض الطويل ترتفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، وتزيد المخاطر بالنسبة للنساء الحوامل، حيث يرتبط التعرض للدخان بمضاعفات الحمل، وانخفاض وزن المواليد، والولادة.
وأكد أن الأطفال، ولا سيما من هم دون سن الخامسة، يتعرضون لالتهابات تنفسية متكررة، وتفاقم الربو، وضعف نمو الرئتين والمناعة، ما ينعكس سلبًا على صحتهم ونموهم وأدائهم الدراسي مستقبلًا.
وأشار مدير مركز السل الرئوي إلى أن أكثر من ثلثي الحالات التي تصل إلى المركز والعيادات ووحدات السل الرئوي في المديريات بمدينة تعز، مرتبطة بأمراض تنفسية ناتجة عن التعرض لدخان الحطب، مبينًا أن البيوت الصغيرة والمغلقة، خاصة في المناطق الجبلية الباردة، تشهد معدلات أعلى من الإصابة، بما في ذلك انتقال عدوى السل.
انعدام التدخلات
تشكو أسماء، إهمال المنظمات والجهات المختصة لجانب التدفئة في جبل صبر قائلةً: “لا يوجد أي تدخل يخفف عنا من هذا البرد القارس، بتوفير بدائل غير المواقد التقليدية، فالمنظمات والجهات المتخصصة لم توفر لنا شيء”.
ولعل غياب تدخل المنظمات الإنسانية العاملة في مجال الإيواء قد فاقم المعاناة أكثر حيث تشير منظمة الصحة العالمية في تقرير “تلوث الهواء داخل المنازل” للعام 2024م إلى أن نحو 2.1 مليار شخص عالميًا ما زالوا يستخدمون الحطب ومصادر وقود تقليدية داخل المنازل، وأن 49٪ من سكان الأرياف في العالم يعتمدون على هذه الوسائل مقارنة بـ 14٪ فقط من سكان المدن.
ويُظهر التقرير أن تلوث الهواء داخل المنازل تسبب في 3.2 مليون وفاة مبكرة سنويًا، بينهم أكثر من 237 ألف طفل دون سن الخامسة.
غياب كلي للخدمات الإيوائية
بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR) فإن خطة الأمم المتحدة للاحتياجات الإنسانية والاستجابة لليمن لعام 2025م تشير إلى أن 7 ملايين شخص في اليمن بحاجة إلى مساعدات إيوائية، من بينهم 1.6 مليون نازح داخلياً يعيشون في ظروف غير لائقة
في هذا السياق قال مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمحافظة تعز، علي قائد إن: “مديريات جبل صبر لم تشهد هذا العام أي تدخلات في مجال التدفئة، رغم احتياج الأسر الملحّ في ظل موجات البرد القارس”.
وأوضح أن “بعض التدخلات السابقة كانت محدودة، واقتصرت على مبادرات من مؤسسات محلية وبعض فاعلي الخير في المناطق القريبة من خطوط التماس”.
وأشار إلى أن “أبرز المعوقات التي تحول دون تلبية احتياجات السكان تتمثل في ضعف التمويل وقلة تدخل المنظمات الإنسانية، مرجعاً ذلك إلى تركيز معظم تلك المنظمات على الأسر المتواجدة في المخيمات ومواقع التجمعات في حين تُهمل الأسر النازحة أو المتضررة القاطنة في القرى والمرتفعات الجبلية”.
- تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي.