بطالة الخريجين اليمن الحرب التعافي المجتمعي
article comment count is: 0

بطالة الخريجين في اليمن من تداعيات الحرب إلى طريق التعافي المجتمعي

يقضي الشاب اليمني سعيد عوض عامه السابع منذ تخرجه من كلية التربية بجامعة حضرموت دون أن يتمكن حتى اليوم من الحصول على فرصة عمل سواء في وظيفة حكومية أو في القطاع الخاص، رغم تفوقه الملحوظ خلال سنوات دراسته الجامعية. ولا تختلف قصة سعيد كثيرًا عن واقع عشرات الخريجين الذين يجتمعون تحت أشعة شمس الصباح بحثًا عن عمل يملأ فراغهم ويمنحهم شعورًا بالاستقرار.

وبالنسبة لكثير من الخريجين اليمنيين أصبح هذا المشهد مألوفًا في بلد تتلاشى فيه فرص العمل مع استمرار الصراع الطويل الذي أنهك الاقتصاد وأضعف التماسك المجتمعي. وفي ظل هذه الظروف تحولت البطالة إلى تحدٍ اجتماعي وإنساني يمس استقرار المجتمع، وفرص التعافي، وبناء السلام خاصة في بلد يشكل الشباب فيه النسبة الأكبر من السكان.

أدت الحرب في اليمن إلى تدهور كبير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ودفعت شريحة واسعة من السكان إلى دائرة الفقر والبطالة. فقد أشار وزير الشؤون الاجتماعية والعمل السابق محمد الزعوري في كلمة ألقاها في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في دولة قطر العام المنصرم إلى أنّ الحرب التي شنتها ميليشيات الحوثي أدت إلى وقوع أكثر من 80 بالمائة من السكان تحت خط الفقر وارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 60 بالمائة في أوساط الشباب وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء اليمنية سبأ.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أنّ سنوات الصراع في اليمن تسببت في انكماش الاقتصاد بشكل كبير، وهذا أدى إلى تراجع فرص العمل في القطاعين العام والخاص؛ الأمر تسبب في اتساع دائرة البطالة خاصة بين الشباب والخريجين الجدد الذين يدخلون سوق العمل سنويًا دون وجود فرص كافية لاستيعابهم.

ويجد الشباب أنفسهم اليوم أمام فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم الجامعي واحتياجات سوق العمل في وقت تراجع فيه الإقبال على التعليم الجامعي نتيجة ضعف مواءمة المناهج الأكاديمية مع الواقع المهني، إذ تؤكد منظمة العمل الدولية أنّ ضعف الربط بين التعليم ومتطلبات سوق العمل يعد أحد أبرز أسباب ارتفاع بطالة الخريجين في الدول التي تعاني من الأزمات والصراعات.

وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الخريجين إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم مثل الأعمال الشاقة أو الأعمال المؤقتة وغير المستقرة، بينما اختار آخرون الهجرة والاغتراب عن وطنهم وأسرهم بحثًا عن فرص تحقق جزءًا من طموحاتهم المؤجلة.

ومع محدودية الفرص في القطاع المدني، اتجه عدد متزايد من الشباب الخريجين إلى الالتحاق بالسلك العسكري نظرًا للرواتب التي تُصرف بالعملة الصعبة، وهو ما انعكس سلبًا على قطاع التعليم حيث أصبحت العديد من المدارس تعاني نقصًا في المعلمين؛ نتيجة غياب التوظيف الحكومي، وتزايد حالات التقاعد بين الكوادر التعليمية.

كما تسببت البطالة في تفاقم عدد من المشكلات الاجتماعية والنفسية بين أوساط الشباب، من بينها تأخر سن الزواج، وارتفاع معدلات الهجرة، إضافة إلى الانجراف نحو بعض السلوكيات السلبية، أو الجريمة. وفي هذا السياق تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنّ تراجع النشاط الاقتصادي وإغلاق كثير من المؤسسات الإنتاجية والخدمية في اليمن خلال سنوات الحرب أسهما بشكل مباشر في تضييق فرص العمل وزيادة هشاشة الأوضاع الاجتماعية.

ورغم اتساع أزمة البطالة برزت بعض المسارات البديلة، حيث اتجه عدد من الخريجين إلى تعلم كثير من المهن الحرفية أو التقليدية، مثل صيانة الهواتف، وصناعة البخور، والعطور، وصيانة وتركيب الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى تأسيس مشاريع صغيرة مثل البيع في المتاجر الإلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتؤكد منظمة العمل الدولية أنّ دعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال يمثل أحد أهم المسارات لتعزيز التعافي الاقتصادي في البلدان الخارجة من النزاعات.

وفي المحصلة تكشف أزمة بطالة الخريجين في اليمن عن أحد أبرز تداعيات سنوات الصراع التي أضعفت الاقتصاد وقلصت فرص العمل ودفعت آلاف الشباب إلى مسارات غير مستقرة أو إلى الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل. ومع ذلك فإن تحويل هذه الأزمة إلى مدخل للتعافي يظل ممكنًا عبر سياسات تركز على تمكين الشباب من فرص العمل المنتج ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل ودعم المبادرات المجتمعية وريادة الأعمال. ويؤكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أنّ الاستثمار في الشباب يمثل استثمارًا في مستقبل المجتمعات واستقرارها وهو ما يجعل تمكين الشباب اليمني من فرص العمل خطوة أساسية نحو بلد أكثر استقرارًا وقدرة على التعافي وبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً