الناجيات سياط الكيبورد المحاكمات الشعبية
article comment count is: 0

كيف نحمي الناجيات من سِياط الكيبورد والمحاكمات الشعبية؟

نجت “أبرار” مِن الخاطف أخيرًا، وعادت إلى بيتها حرة منهكة، غير أن الحرية لم تدم طويلًا، فالمجتمع كان ينتظر ليضعها في قفص آخر اسمه “العار”. هذه اللحظة الفاصلة في حياة طفلة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، تُلخّص مأساة مركّبة تعيشها عدن اليوم، حيث لم يعد السلم الأهلي مهدّدًا بالسلاح وحده، بل بـ”ضغطة زر” تبحث عن الإثارة تتبعها محاكمات شعبية تنهش في كرامة العائلات في كلّ حارة وزقاق، لتصبح الناجية حبيسة نظرات المجتمع التي لا تقلّ قسوة عن قيود الخاطف. فكيف تحوّلنا من مجتمع “نصير” إلى “قاضٍ” يوزّع صكوك الإدانة بناءً على همس المنصات الرقمية؟! وهل يمكن لمروءة الأجداد الأصيلة أن تصمد أمام سياط “الهاشتاجات” المسمومة؟!.

إن ما تعرضت له “أبرار” (عُرفت إعلاميًا بـ”بنت حاشد”) يجسّد أبشع صور التغوّل الرقمي وغياب مفهوم النصرة، فما إن أعلنت الأجهزة الأمنية العثور عليها، حتى انطلقت سهام التخوين والقصص المتخيّلة دون انتظار لبيان رسمي، ودون مراعاة لسنّها القانوني كقاصر. هذا الاندفاع المجتمعي نحو التشهير دفع عائلتها للتقوقع ورفض الظهور الصحفي للدفاع عن أنفسهم، خوفًا من سياط المجتمع التي لا ترحم. إن هذه الحادثة تُثبت أن الوصمة في واقعنا المعاصر باتت تُصنع خلف الشاشات قبل أن تستند إلى الحقائق، مما يجعل تكلفة النجاة باهظة جدًا وتفوق قدرة الأفراد على الاحتمال.

هذا الانحدار في التعامل مع الضحايا يُعيدنا اضطرارًا إلى مراجعة قواعدنا الأخلاقية، فقد كان المجتمع اليمني قديمًا يمتلك نظامًا يفوق في رُقيّه قوانين الحماية الحديثة، وهو ما وَثّقه المؤرخ القاضي محمد بن أحمد الحجري في كتابه “مجموع بلدان اليمن وقبائلها” تحت مفهوم “الداعي والنصرة”. هذا الميثاق كان يُحتّم على الجميع الوقوف علنًا مع المظلوم، وكان خذلان امرأة في مأزق أو التشهير بها يُصنّف ضمن “المعيبات السود” التي تلطّخ سمعة المدينة بأكملها. إنّ المقارنة بين مروءة الأمس وترندات اليوم تكشف فجوة أخلاقية تستدعي التدخُّل، فكرامة المرأة كانت جزءاً لا يتجزّأ من كرامة المجتمع، بينما اليوم تُنصب لها المقاصل الرقمية والشعبية عند أول محنة.

إنّ المسؤولية الجماعية اليوم تُحتِّم على صُناع المحتوى والناشطين في عدن إدراك أنّ الفضاء الرقمي امتدادٌ للسلم الأهلي، فالمؤثر الرقميّ يمتلك سلطة التوجيه التي قد تنقذ أسرة أو تدمّرها تمامًا. السلوك المستهدف هنا هو كسر ثقافة التداول العشوائي، ويجب أن تتحوّل الرسالة الأخلاقية لكلّ شاب وشابة إلى شعار: “أنت لست ناقلاً للخبر وحسب، أنت مسؤول عن أثره”. إنّ التحول مِن باحث عن الترند إلى مُدافع رقمي يمارس التبليغ الجماعي ضد الصفحات المبتزّة هو السلوك الذي سيعيد للمنصّات دورها الإيجابي في حماية المجتمع بدلا من نهش أعراضه.

ولأنّ التغيير يتطلب قوى ميدانية مؤمنة بقضيتها، نقترح تأسيس “نُخبة النصرة الرقمية“، وهي شبكة شبابية تطوعية عابرة للمديريات، تنطلق من قلب “الحارة” لتشكل حائط صدٍّ ضدّ انتهاكات الفضاء الرقمي. لا تقتصر مهام هذه النخبة على الرصد الافتراضي، بل تمتدّ لتكون “مرجعًا أخلاقيًا” داخل أحياء عدن، حيث يعمل أعضاؤها على إطلاق حملات توعوية ميدانية داخل المساحات العامّة واللقاءات الشبابية، لترسيخ قيم الخصوصية وحُرمة المنازل.

تعتمد هذه النخبة على استراتيجية “التحصين المجتمعي”، فبدلًا من الاكتفاء بالتبليغ عن الصفحات المبتزة -وهو إجراء تقني ضروري- تقوم النخبة بفتح حوارات مباشرة في المجالس والأزقة، لمواجهة الأفكار التي تحاول تسويغ “الوصمة”. هؤلاء الشباب والشابات، بوصفهم سفراء لهذا الميثاق الأخلاقي، يعملون على خلق “رأي عام محليّ” يلفظ التنمّر، ويجعل من ممارسة التشهير سلوكًا منبوذًا اجتماعيًا في نظر أهالي الحارة، قبل أن يكون مرفوضًا في منصات التواصل.

إن “نُخبة النصرة الرقمية” هي ترجمة عملية لإحياء مفهوم التكافل العدني العتيق، ولكن بأدوات العصر، فهي تحمي الناجية، وتُعيد بناء “المناعة الأخلاقية” للمدينة؛ لتظلّ عدن قلعةً لا تستبيح كرامة بناتها أمام سياط الكيبورد أو نزوات الفضول في المقايل. وهذا الواقع يفرض أيضًا على المؤسّسات العَدلية والأمنية في عدن مسؤولية تتجاوز إنفاذ القانون التقليدي إلى ضبط الفضاء الافتراضي، فالحاجة اليوم ماسّة لتفعيل وحدات متخصِّصة تُراقب الانتهاكات التي تطال كرامة الأفراد، وتطبيق مواد القانون المتعلقة بحُرمة الحياة الخاصة بشكل صريح وقابل للتنفيذ السريع. فالمُعطيات والتقارير الحقوقية المحليّة تُشير إلى أنّ أكثر من 75% من الفتيات اللواتي تعرضن لحوادث اختفاء واجهن حملات تشهير عنيفة، بينما يعاني 90% من الناجيات من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) الناتج عن النبذ المجتمعي، لا الحادثة الأصلية فقط. إنّ صمت القانون أمام هذه الأرقام هو بمنزلة تشريع ضمني لدمار النسيج الاجتماعي، وقصور في حماية أضعف حلقات المجتمع.

ولتحويل هذا الوعي إلى فعل ملموس، تبرز الحاجة إلى أدوات مناصرة عملية تقودها المبادرات الشبابية في عدن من نوادي السلام المجتمعي. يعتمد هذا المقترح على استخدام المسرح التفاعلي كأداة تغيير تجوب المتنفّسات العامة في مختلف المديريات لعرض مشاهد تُشرِك الجمهور في حماية الضحية بدلًا من رجمها بالشائعات. إن تحويل الجداريات في شوارعنا من زينة بصرية إلى رسائل ترسّخ قيم الستر والمؤازرة هو نشاط عملي يُعيد تعريف الرجولة والأصالة كفعل حماية. بهذا يتحوّل الشاب في عدن من مستهلك للمحتوى وحسب، إلى مدافع ميداني يرفض أن تكون كرامة الفتيات وقودًا لزيادة المشاهدات أو على ألسنة الجميع في مجالس القيل والقال.

ختامًا، إن معركة الوعي في عدن تُكسَب باستعادة المروءة التي كانت سياجًا يحمي الجميع في كلّ حارة وزقاق. نصرة أبرار وأمثالها لا تكون إلا بقرار شجاع يتّخذه كل واحد منّا بأن يكسر سلسلة الانتشار بمجرد وصول منشور الفضيحة إليه. إنّ كرامة الفتاة العائدة من الاختطاف هي كرامتنا جميعًا، واستعادة روح المدينة التي كانت منارة للأصالة تتطلّب منا اليوم أن نختار النصرة لا الوصمة، لنجعل من مروءة تاريخنا قانونًا نعيشه في هواتفنا وبيوتنا على حدّ سواء.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً