الإعلام حضرموت التعايش السياسي خطاب الكراهية
article comment count is: 0

كيف يكون الإعلام بحضرموت مساهمًا في التعايش السياسي ونبذ خطاب الكراهية؟

يقول نابليون بونابرت: “إنني أرهب ﺻﺮﻳﺮ ﺍﻷﻗﻼﻡ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺩﻭﻱ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ” في إشارةٍ إلى أنّ ما يسّطره الصحافيون والكتّاب أكثر فتكًا من دوي المدافع والأسلحة. وشخصيةٌ مثل الإمبراطور الفرنسي نابليون بالدهاء الذي عُرف عنه لن يقول هذا الكلام من باب التهويل، بل من منطلق الإدراك العميق للحقائق. فقد يتسبب التحريض الإعلامي باشتعال فتيل الحروب والصراعات. وغالبًا قبل أي حربٍ عسكرية يسبقها حربٌ إعلامية، وما شهدناه مؤخرًا خلال الصراع السياسي في حضرموت من تحريضٍ إعلامي والدفع بكراهية إلى تخوين الآخر وتراشق في الاتهامات والإساءة المباشرة للطرف الآخر ما بين “أنصار” أطراف الصراع من السلطة المحلية السابقة وحلف قبائل حضرموت والمجلس الانتقالي الجنوبي والمحسوبين عليه. كل ذلك يعد ظاهرة غير صحية، وتنمُّ عن خطاب كراهية وتخوين وتفرقة مجتمعية غير مسبوقة في تاريخ حضرموت!.

الإعلام سلاحٌ ذو حدين، فإما أن يكون بانيًا وموجهًا للخير والتنمية، وإما أن يكون هادمًا ومحرضًا ودليلًا إلى الشر والدمار. حضرموت التي يُنظر إليها على أنّها المحافظة التي يجنحُ أهلها للسلم، وأنّها أكثر المحافظات سلمًا وتعايشًا تقدم نموذجًا للتراحم والتعايش والتضامن المجتمعي. بيد أنّ الخطاب الإعلامي غير المسؤول يهدد السلم المجتمعي والتعايش بمختلف التوجهات السياسية، ويجعلها في حال الصراع قد تنسلخ عن جلدها التاريخي، إذ ينفخ الإعلام أبواق الاقتتال ما بين أبنائها.

لم تكتفِ أسماء إعلامية من المحسوبين على أطراف الصراع بالتحريض على قيادات الطرف الآخر، بل وصل الأمر إلى التحريض على زملائهم الإعلاميين، والدعوة لسجنهم والتنكيل بهم والإساءة المباشرة إليهم. ولا أدري ما هو حال الإعلاميين الذينَ يتخذون خطاب الكراهية بطريقةٍ مبالغٍ فيها أهي فجور في الخصومة أمْ مزايدات لأرباب النعمة أمْ هوس البحث عن التفاعل أو تحفيز الرأي الشعبوي؟!.

تفسر رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة حضرموت الدكتورة إيمان اللحمدي ظاهرة خطاب الكراهية بالقول: “التحريض الإعلامي في حضرموت يمكن تفسيره على أنه محاولة لتأجيج الصراع أو تعزيز التوترات بين الأطراف المختلفة، إذ تشهد حضرموت صراعات سياسية واجتماعية متعددة، وقد يستخدم الإعلام كأداة لتحريض الأطراف المختلفة ضد بعضها البعض”. وتضيف اللحمدي: ” تعد حضرموت غنية بالموارد الطبيعية؛ لهذا يستخدم بعض الإعلاميين أسلوب التحريض من أجل تبرير استغلال هذه الموارد “.  كما تحذر اللحمدي من أنّ التحريض الإعلامي يمكن أن يؤدي إلى عواقب مثل زيادة التوترات والصراعات، وتعريض حياة المجتمع للخطر.

تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي وتقنياتها الحديثة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الفضاء العام وتعزيز بعض أنماط الخطاب، بما في ذلك الخطابات الإقصائية. وفي هذا السياق، كشفت دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، أعدّها الدكتور عبد الله باخريصة بعنوان «دور غرف الصدى وفقاعات الفلترة في تعزيز خطاب الكراهية عبر شبكات التواصل الاجتماعي بحضرموت»، عن أن غرف الصدى وفقاعات الفلترة تسهم في تعزيز الانتماء الأيديولوجي للمستخدمين في حضرموت. فقد أظهرت نتائج السؤال الرابع أنّ 66% من أفراد العينة المنتمين إلى مجموعات على فيسبوك و واتساب و تليجرام ينتمون إلى دوائر تشترك في التوجهات السياسية والأيديولوجية ذاتها. وبذلك أجابت الدراسة عن الشق الأول من تساؤلها، مؤكدة أنّ هذه البُنى الرقمية تعزز الاتجاهات السياسية والأيديولوجية لدى المستخدمين.

غير أنّ هذا التعزيز للانتماء الأيديولوجي لا يعني بالضرورة انتقاله التلقائي إلى إنتاج خطاب كراهية صريح. فالدراسة نفسها، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بإعداد الدكتور عبد الله باخريصة، تميّز بين مستوى التعبئة العاطفية ومستوى التصلّب التعصّبي؛ إذ تشير إلى أنّ غُرف الصدى وفقاعات الفلترة تدفع المستخدمين إلى التفاعل من منطلق الانتماء والحماس الجمعي، لكنّها لا تثبت بصورة قاطعة أنّ هذا الحماس يتطور إلى تمسّك مطلق برأي الجماعة أو إلى إنتاج مباشر لخطاب كراهية. وعليه، يمكن فهم أثر هذه البُنى الرقمية في حضرموت بوصفه أثرًا يعزّز الاصطفاف الأيديولوجي ويكثّف التفاعل العاطفي، دون أن يحسم بشكل نهائي مسألة تحوّله إلى خطاب إقصائي مُمنهج.

تستحضر الذاكرة تجربة رواندا في مطلع تسعينات القرن الماضي، حين انزلقت البلاد إلى اقتتالٍ أهلي وإبادةٍ جماعية راح ضحيتها مئات الآلاف نتيجة تصاعد الصراع بين الهوتو والتوتسي وتآكل ثقافة التعايش. غير أنّ مرحلة ما بعد الحرب، بقيادة بول كاغامه المنتمي إلى أقلية التوتسي، شهدت مسارًا سعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس المصالحة الوطنية، وتجريم خطاب الكراهية، والحد من التحريض الإعلامي، بوصف ذلك شرطًا لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي. وقد أفضى هذا التوجه إلى تحويل رواندا، في غضون سنوات، إلى نموذج إفريقي يُستشهد به في الاستقرار والتنمية. وإذا كانت تلك التجربة قد نجحت في تجاوز انقسامٍ قبليٍّ حادٍّ أفضى إلى إبادة جماعية، فإنّ المفارقة تبرز حين نقارنها بحال حضرموت؛ حيث تتقاطع الأنساب، وتتجاور القبائل في الساحل والوادي، بل تتشابه أسماء العائلات رغم اتساع رقعة المحافظة، ومع ذلك يتصاعد أحيانًا خطاب التحريض بصورة علنية. والأدهى أنّ الانقسام السياسي يتسلل إلى داخل الأسرة الواحدة، حيث تتباين الانتماءات والتعاطفات بين أفراد البيت ذاته.

ومن الحلول المقترحة لتخفيف وطأة اللغة الإعلامية المتطرفة تجاه المختلفين معهم سياسيًا، سن القوانين التي تنبذ خطاب الكراهية، وإقامة الدورات والورش للإعلاميين حول التعايش السياسي والعواقب الدينية والأخلاقية والمهنية للخطاب التحريضي، وتكثيف المحاضرات التوعوية في قسم الإعلام بجامعة حضرموت حول هذا الأمر، وفي حال تنفيذ دورات وورش حول هذا الموضوع من قِبَل مختصين ستظهر حلولاً أكثر للقضية. وفيما يتعلق  بإمكانية سن قانون حول التعايش ونبذ خطاب الكراهية في ظلّ الأوضاع التي تعيشها البلاد، أوضح المستشار القانوني مصطفى البيض أنه “وفقًا لقوانين الجمهورية اليمنية فالمخرج القانوني في ضوء أوضاع البلاد منها غياب مجلس النواب الجهة التشريعية للبلاد، فالسبيل لمادة قانونية حول التعايش ونبذ خطاب الكراهية عن طريق التعديل أو إضافة قوانين وبنود حسب الدستور اليمني”. ويعزّز البيض وجاهة هذا التوجه بالإشارة إلى تجارب إقليمية ناجحة، مثل سلطنة عُمان ومملكة ماليزيا، حيث سُنّت قوانين تُعنى بتعزيز التعايش السلمي، مع كفالة حرية الرأي والتعبير واحترام التنوع السياسي والعرقي. ويُستفاد من هذه النماذج أنّ تنظيم المجال القانوني لحرية التعبير، دون التفريط في مسؤولية عدم الإضرار بالآخر، يمكن أن يسهم في بناء بيئة إعلامية أكثر توازنًا، ويحدّ من انزلاق الخطاب العام نحو التحريض والاستقطاب.

ختامًا، من حقّ كل فرد أن يعتنق ما يشاء من أفكارٍ سياسية، ولا يجوز تقييد حرية الرأي ما لم تتحول إلى اعتداءٍ على القيم الجامعة أو مساسٍ بحقوق الآخرين. غير أنّ هذا الحق لا يبرر التحريض على أي مكوّن من مكوّنات المجتمع أو إشعال فتيل الفتنة بين أبناء المحافظة الواحدة؛ فحرية التعبير تقف عند حدود المسؤولية، والإعلام أمانة أخلاقية ووطنية. إنّ التحريض على تمزيق النسيج الاجتماعي تحت غطاء الرأي يعكس فهمًا قاصرًا لمعنى الحرية، لأن الكلمة في الفضاء العام  فعلٌ مؤثر يصوغ الوعي ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية. ومن ثَمّ، فإنّ الإعلام واجهة حضارية تتطلب كفاءات واعية تدرك أثر الخطاب ووزنه، وتوازن بين حق التعبير وواجب الحفاظ على السلم المجتمعي، ليظلّ الاختلاف مصدرَ ثراءٍ لا مدخلًا للفرقة.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

اترك تعليقاً