خلف الستائر المخملية القديمة في مديرية “الشيخ عثمان”، وبينَ طيّات الذاكرة العدنية الثرية، تكمن فلسفةٌ تقول: إنّ الخَيط الذي يحرّك الدمية الخشبية أو تلك التي صُنعت من قماش، قادرٌ على تحريك سواكن المجتمع. وإنّ الفكر الذي يُبَث بلسان “عروسة” بسيطة، هو نفسه الفكر الذي يبني لبنات الأمّة الصالحة. ويأتي سؤالنا المهم هنا: كيف لمسرح الدُّمى أن يكون جسرًا للسلام في نفوس أطفالنا؟ وجوابه أنّ مسرح الدمى أداة تعليمية قوية إذا ما استُغلت في إرساء مبادئ السلام، وتشكيل الوعي، والعمل على تعزيز الترابط المجتمعي، فعلى الجميع أن يُدرِك أنّ لهذه الخشبة وتلك الدمية أثراً كبيراً في قيادة وعي المجتمع وتغيير سلوكه.
لنعُد إلى البدايات الأولى واهتمام روّاد مسرح الدُّمى، وخاصة في محافظة عدن، لا سيما مع تجربة “الكركوز“، أو هكذا كان يُدعى في فترة الستينيات. فقد قدّم عروضه بهذا الاسم الأستاذ شمسان حنبص. وعاشوا تلك الفترة يتذكّرون كيف كانت فكرة الكركوز هذه وسيلة لمحاربة المحتلّ البريطاني في عدن. ولنقترب أكثر، وفي عشرين عامًا من تقليب صفحات الواقع في عدن، ندركُ يقينًا أننا أمام سلاح ناعم يُسمّى الوعي المهمل، كان، ولا يزال، قادرًا على صياغة السلام في عقول أطفالنا، قبل أن تتلقّفهم خطابات التشظي السياسي.
ولا نُغفل تجربة الرائد الراحل أبو بكر القيسي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فهذا الرجل عمل على إرساء أُسس مسرح الدمى في محافظة عدن، وكانت دُماه جسراً للتواصل مع الأطفال آنذاك، فقد ترك في أنفسهم ذاكرة لا تُمحى أبدا. لم تكن عدن تستورد الوعي، بل كانت تصنعه، عندما كان مسرح الدمى بمنزلة “البرلمان الصغير” للأطفال. هناك تعلّم الجيل أنّ الاختلاف في “أشكال الدمى” هو سرّ جمال العَرض، وأن التناغم بين المحرّك والدمية هو سر النجاح. هذا الإرث كان “دستورًا سلوكيًا” غير مكتوب. صهرَ أطفال عدن في بوتقة التعايش والتسامح، غير أنّ الأحداث التي عاشتها اليمن من صراعات وحروب جعلت الأجيال تنشأ وفي داخلها فجوة وصراع، بل إننا نواجه اليوم أفكاراً للتفرقة التي زرعتها هذه الصراعات.
فلماذا نعتبر مسرح الدمى وسيلة لتعزيز السلام والتماسك المجتمعي بين أوساط الأطفال؟ الإجابة تكمن في “الحياد العاطفي”، في بيئة مشحونة كالتي نعيشها، يرفض الطفل (والكبير أحيانًا) التوجيه المباشر، لكنه يستسلم تمامًا لسِحر الدمية، فهي موجّه لتغيير السلوك لدى الأطفال. هي الوسيلة الأقوى، ولها أثرٌ كبيرٌ عليهم. وتُشير دراسة أجرتها منظمة Puppeteers without Borders في مناطق النزاعات أنّ الأطفال يتقبّلون رسائل التسامح والتعايش من الدمية بنسبة استجابة تفوق التوجيه المباشر بثلاثة أضعاف، والسبب يكمُن في أنّ الدمية بلا تاريخ، فهي لا تنتمي لطرف ضدّ آخر في نظر الطفل، مما يجعلها رمزا للسلام المطلق.
وتمثّل الدمى أدوات تعليمية ونفسية فعّالة تُساعد الأطفال على التعامل مع التجارب الصعبة بطريقة آمنة؛ إذ تخلق مسافة بين الطفل والتجربة الواقعية للصدمة أو التوجيه المباشر. تقول الاختصاصية النفسية ليندا جودمان: “إنّ الدمية تسمح للطفل بإنشاء مسافة آمنة بينه وبين الصدمة أو التوجيه، فهو لا يتلقّى أمرًا من شخص أكبر منه، بل يشاهد تجربة تعرضها الدمية بسلاسة، فيتعاطف معها ويتبنّى سلوكها تلقائيًا”. ويتّضح من تعبير جودمان، أن استخدام الدمى يوفّر وسيلة للتعلم الاجتماعي والانفعالي، حيث يكتسب الطفل مهارات التعاطف والتقليد الإيجابي للسلوكيات من دون شعور بالضغط أو الخوف.
عندما تعرض الدمية معاناة “الآخر”، أو تتحدث عن قيم التسامح بلهجة مبسطة للأطفال، تكسر جدران الكراهية والنمطية، وتُعلِّم الطفل أنّ السلام فعل يومي يبدأ بالتعاون وممارسات بسيطة، مثل تقاسم رغيف الخبز في عرض مسرحي. وفي هذا السياق، يصبح المسرح وسيلة تعليمية وسلوكية متواصلة، حيث لا يكتفي الطفل بالمشاهدة، بل يتعلّم سلوكيات تنتقل عبر الأجيال. كما يؤدّي المسرح دورًا مهمّا في تعزيز التماسك الأسري؛ إذ يجمع الأب بابنه أمام العرض، فتذوب الفجوة بين الأجيال، ويعود الجميع إلى البيت محمَّلين بقصة واحدة، وقيمة مشتركة، وحلم مشترك.
فتهميش دور مسرح الدمى في عدن اليوم هو “تهميشٌ للمستقبل”، ونحن لا نطالب بترميم جدران المسارح فحسب، بل نطالب بترميم عقول المجتمع ليفهم الرسالة التي تقدّمها الدمية على خشبة المسرح. لهذا إذا استمرّ تهميش مسرح الدمى في عدن، فإنّ في ذلك تفريطاً في واحدة من أقوى أدوات التحصين المجتمعي. نحن لا نطالب بإعادة المسرح من أجل الفنّ فقط، بل من أجل خلق جيلٍ يمتلك مناعةً ضدّ التحريض، وعقلًا يؤمن بأن “الخيط” الذي يربط الدمى بعضها ببعض، هو نفسه الخيط الذي يربط أبناء هذه المدينة بعضهم ببعض.
إننا ندرك جيّدا أنّ بناء الأمّة يبدأ من “مسرح الطفل”، حيث نزرع في عقولهم أنّ الخيوط التي تحرّكنا يجب أن تكون خيوط “الانتماء والعمل”، لا خيوط “التبعية والفرقة”، وأنّ استعادة هذا الفن تعني استعادة القدرة على صناعة جيلٍ يمتلك مناعةً ذاتية ضد العنف، ويؤمن بأن الحوار هو الخيار الوحيد، تمامًا كما تُحل عقد المسرحية في فصلها الأخير.
وهناك أخيرا حقيقة لا بد أن نضعها نصب أعيننا، إذا أردنا أن نكون أمةً متماسكة، فلنبدأ من تلك “الخشبة”، فدعونا نُعيد الخيوط لأيدي المُبدعين، ولنثق بأنّ فكرًا يُغرس في روع طفلٍ يشاهد دُميةً تتسامح، هو أقوى وأبقى من ألف خطابٍ سياسي.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.