تشكّل الأغاني الشعبية لغة إنسانية تتجاوز الفوارق الثقافية واللهجات، وتعمل كأداة فعّالة في تعزيز القيم الاجتماعية وتقوية روح الانتماء والمجتمعي في اليمن، والتي عانت من آثار الحرب منذ عام 2015م وأُضعف النسيج الاجتماعي والثقافي فيها. وفي مثل هذه الظروف، وجدت الأغاني التعزية مساحة لإعادة التواصل بين الناس، وحفظ ذاكرة مشتركة في الريف والحياة الجماعية. ومن بين هذه الأغاني تبرز أعمال الفنان عبد الباسط عبسي، لا سيما روائعه الريفية مثل “وا ذي السواقي” و”يا راعيات الغنم“، بوصفها تقليدًا غنائيًا يعكس علاقة الإنسان اليمني بأرضه، ويحوّل الموال التعزّي إلى لغة عالمية للسلام والتعايش.
هذا اللون الفني جاء امتدادًا لفنّ “الملالة التعزية” النسائي الشفاهي، الذي استطاع عبد الباسط أن ينقله إلى المسارح الدولية، محافظًا على جوهره الريفي وبساطته التعبيرية، فيغنّي عن المطر والزرع والبن، ويستحضر روح التعاون والعمل الجماعي الذي اشتهرت به تعز، فهذه الأغاني لا تزال تُغنّى في المجالس والمنتديات، مستدعِية ذاكرة التعاونيات والفلاحين، بما يعزز شعورًا مشتركًا بالتماسك الاجتماعي ويؤكّد أن الأرض والماء هي ملكية جماعية ورمز للحياة والوحدة، يتجاوز أي انقسام سياسي أو أيديولوجي.

يظلّ فنّ عبد الباسط عبسي، بتجسيده للريف التعزي بكل تفاصيله الإنسانية والجمالية، شاهدًا حيًا على قُدرة الفن على تعزيز السلام والتعايش، والوسيلة الأكثر تأثيرًا لاستعادة القيم المشتركة بالعودة إلى حضن الأرض والذاكرة الغنائية التي تجمع الناس ولا تفرقهم.
ويؤكّد الباحث في التراث الشعبي فهد القباطي أنّ “الأغنية اليمنية قديمة بقدم الحضارة اليمنية نفسها، ولا يمكن تحديد تاريخ دقيق لنشأتها، إلا أنّ الأدلة التاريخية تؤكّد وجود الموسيقى والغناء في اليمن منذ آلاف السنين، فقد وُجدت آلة العود منذ ألف سنة قبل الميلاد، كما أظهرت تمثالين في مغارة قديمة في صورتي قينتين، إحداهما تمسك بالعود اليمني القديم (الطنبور)، ما يوضح قدم هذا اللون الفني في الذاكرة اليمنية”.
ويضيف القباطي أنّ “الأغاني التعزية التجديدية أو الرسمية الحديثة بدأت في خمسينيات وستينيات القرن الميلادي، ومن أبرز مَن غنوا هذه الأغاني محمد مرشد ناجي، وأيوب طارش، وعبد الباسط عبسي، والفنانين عبد الخالق القباطي وعبده إبراهيم الصبري وعبد الجليل العبسي، فيما برزت أصوات نسائية، مثل بنت شريان وزبيبة دماج ونعم شايع ومنى عليّ وفائزة عبد الله وأمل كُعدل“. هذه الأسماء تمثل جسرًا بين التراث الشعبي القديم والتجديد الموسيقي الحديث، مع الحفاظ على الطابع الأصيل للأغنية التعزية.

تؤدّى الأغنية التعزية في طقوس متعدّدة، وتختلف أساليب الأداء حسب المناطق، ففي بعض القرى يعتمد الفنانون على الإيقاعات الجماعية والهتافات المتناغمة، بينما تفضّل مناطق أخرى الأداء الفردي الممزوج بالشعر والغناء المرتجل. ويُشير القُباطي إلى أن “تعدّد القوالب الغنائية في محافظة تعز يشمل أغاني العمل والبناء والفلاحة، وأغاني المرأة والمهد والطفولة، والمناسبات الفكرية والدينية، مع تفرّد بعض القوالب مثل الملالاة التي تختص بها المرأة للتعبير عن الحزن أو الفقد أو التغني بالغياب أو الحبيب المغترب”.
وتؤدّي الأغنية التعزية دورًا اجتماعيًا محوريًا، فهي تجمع الناس بمختلف خلفياتهم، وتحوّل المشاعر الفردية إلى شعور جماعي بالتضامن والتواصل. وإذا رجعنا إلى عبد العزيز المقالح في كتابه الوجه الضائع يقول: “الأغاني الشعبية تمتلك القدرة على رسم صورة المجتمع القديم، ومقوّماته الفكرية، وقيمه الاجتماعية والجمالية أكثر مما تمتلكه الأشعار الرسمية، فهي روح الشعب وصورة حيّة لحياته اليومية وأكثر صدقًا وتعبيرًا”.
ويظهر التنوّع الموسيقي للأغنية التعزية من الجمع بين الأداء الصوتي والإيقاعات التقليدية باستخدام الدفوف والطنبور، وأحيانًا من مزجها مع آلات حديثة، ما يُضفي على الأغنية أبعادًا جمالية متعدّدة، بالإضافة إلى أنّ كلماتها تحمل دلالات الحبّ للوطن، والتغنّي بالأرض ومواسم الزراعة، والتعاون بين الناس، إضافة إلى التعبير عن الفرح والبهجة في المناسبات الاجتماعية والدينية.

على الصعيد الدولي، بدأت الأغنية التعزية تجد مكانًا لها في المحافل العربية والدولية من خلال المهرجانات والندوات الثقافية. ويقول الفنان الشعبي محمد عبد الملك: “أداء الأغنية التعزية في المهرجانات الدولية يتيح لنا إيصال رسالة للعالم بأنّ الفنّ قادر على جمع الناس وتقوية روابطها الإنسانية”.
وقد حافظت الأغنية التعزية على حضورها في الأزمات، وهي مستمرة في توحيد الناس وتعزيز الهوية اليمنية. ويوضح الفنان عبد الملك: “حتى في أوقات الحرب والأزمات، حافظت الأغنية التعزية على حضورها وتأثيرها، وهي مستمرة في توحيد الناس ومواجهة أي عوامل تفرّق المجتمع. اهتمام الشباب بتعلّم هذا الفن وإحيائه يضمن استمرار دوره في ترسيخ الروابط الاجتماعية والثقافية، ويجعل من الأغنية التعزية عنصرًا فعّالًا في نقل الهوية اليمنية وتعزيز الوحدة والتعايش بين الناس”.
وبالإضافة إلى دورها الاجتماعي والوطني، تُتيح الأغنية التعزية فرصة للتعرّف على الماضي الشعبي والتاريخي للمجتمع؛ إذ تحكي قصصًا عن الفلاحين والعمال والنساء والأحداث اليومية، وتُعيد للأحداث المحلية معناها الرمزي والاجتماعي، مع تعليم القيم الأساسية للأطفال منذ الصغر. وتظلّ كلمات الأغاني وسيلة لنقل تجارب المجتمع وتعاليمه الإنسانية، ما يجعلها أداة تعليمية وثقافية متجددة.
ورغم أهميتها، تواجه الأغنية التعزية تحديات كبيرة في العصر الحديث، أبرزها ضعف الإنتاج الموسيقي، وقلّة الدراسات الأكاديمية، وغياب دعم مؤسسات الدولة، إضافة إلى محدودية استخدام التقنيات الحديثة. ويؤكّد القباطي أنّ الحل يكمن في “توثيق الأغنية التراثية كما هي، مع الاحتفاظ بعيوبها ومميزاتها، ثم تقديمها بتوزيع موسيقي حديث، مع الحفاظ على جوهر الأغنية التراثية ومفرداتها، لضمان استمراريتها وتجاوز خطر الانقراض”.
في النهاية، تظلّ الأغنية التعزية علامة فارقة في التراث اليمني، وشاهدًا على قُدرة الفن الشعبي على توحيد الناس وتقديم العزاء والدفء النفسي في أصعب الظروف. ومع استمرار الاهتمام بالموروث الثقافي، يمكن لهذه الأغنية أن تؤدّي دورًا أكبر في تعزيز التعايش والتقارب الاجتماعي، ليس داخل اليمن وحسب، بل على المستوى العربي والدولي، لتكون رمزًا حيًا لقدرة التراث والفنّ على جمع القلوب ومواجهة الصعاب الإنسانية.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.