العنف النفسي النساء ذوات الإعاقة
article comment count is: 0

العنف النفسي يفاقم معاناة النساء ذوات الإعاقة

تعيش فاطمة، في مدينة تعز الواقعة جنوب غرب اليمن، واقعًا يوميًا من العنف النفسي غير المرئي، يتمثل في نظرة اجتماعية قاصرة وكلمات تحمل وصمًا وتنميطًا وإقصاءً صامتًا يلاحقها في الجامعة، وسوق العمل، والفضاء العام

العنف الذي تتعرض له فاطمة (اسم مستعار) وهي شابة من ذوات الإعاقة، لا يتخذ شكل الإيذاء الجسدي، بل تواجه ضغطًا نفسيًا متواصلًا عبر ممارسات يومية تُختزل فيها هويتها كامرأة في إطار إعاقتها، وتُعامل على أساس افتراضات مسبقة عن العجز وعدم الكفاءة.

نساء تحت الضغط

تصف فاطمة، الحاصلة على بكالوريوس محاسبة وإدارة أعمال، وتواصل دراسة اللغة الإنجليزية، تجربتها مع التهميش بقولها إن المجتمع لا يرى مؤهلاتها، بل يراها من زاوية إعاقتها فقط. ورغم نص القانون اليمني على تخصيص 5% من الوظائف لذوي الإعاقة في القطاعيين العام والخاص، إلا أن التطبيق – بحسب شهادتها – شبه منعدم.

وتضيف، “أكثر المواقف إيلامًا تتمثل في الوصم اللفظي، واستخدام تسميات تختزلني في إعاقتي بدلاً عن اسمي، وصعوبة وصولي في المؤسسات التعليمية غير المهيأة، فضلًا عن الإقصاء من فرص العمل بذريعة أن توظيف شخص ذو إعاقة يمثل عبئًا على المؤسسة”.

هذه الشهادات لا تمثل حالة فردية، بل تتكرر لدى نساء وفتيات من محافظات يمنية مختلفة، حيث أن العنف النفسي -بحسب فتيات من ذوي الإعاقة- يستنزف طاقتهن قبل بدء اليوم، ويدفع كثيرات منهن إلى التكيف القسري مع الإقصاء بدل مقاومته، ما يجعلهن أكثر عرضة للعزلة ويحد من مشاركتهن المجتمعية والتقدم الشخصي.

العنف النفسي الرمزي

يوضح أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة تعز، الدكتور محمود البكاري، أن العنف النفسي يعتبر أحد أخطر أشكال العنف الرمزي، كونه يُمارس عبر الإيحاءات، والتنمر، وعدم القبول، وتقويض الكرامة الإنسانية للفرد.

ويؤكد البكاري، أن هذا النوع من العنف يشتد أثره عندما يُوجه للفئات الأضعف اجتماعيًا، وفي مقدمتها النساء ذوات الإعاقة، حيث يتقاطع النوع الاجتماعي مع الإعاقة لينتج شكلًا مركبًا من الإقصاء.

يضيف: “لا يقتصر هذا العنف على الفضاء العام، بل يمتد إلى داخل الأسرة، ومؤسسات التعليم، وأماكن العمل، حيث تُختزل المرأة ذات الإعاقة في صورة نمطية، وتُعامَل باعتبارها غير قادرة أو غير منتجة، في مخالفة واضحة لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل المساواة وعدم التمييز”.

وتشير الاخصائية النفسية رشاء غالب لـ”منصتي 30” إلى أن الإساءة النفسية، رغم كونها غير ملموسة، قد تكون أشد إيلامًا من العنف الجسدي، لما تتركه من آثار طويلة الأمد مثل القلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالذات والحوار الداخلي السلبي.

من جانبها، تشير المحامية والناشطة الحقوقية رحاب القدسي إلى أن الإعلام اليمني ما يزال يتناول قضايا النساء بمعزل عن الإعاقة، وقضايا الإعاقة بمعزل عن النوع الاجتماعي، ما يؤدي إلى تغييب واقع النساء ذوات الإعاقة كقضية حقوق عامة.

بينما لا توجد إحصائيات دقيقة وموحدة لعدد النساء ذوات الإعاقة في اليمن تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ‘ملايين النساء والفتيات يواجهن احتياجات طارئة بسبب النزاع‘ مع وجود صعوبات اكبر بكثير للنساء ذوات الإعاقة حيث يتفاقم استبعادهن من الخدمات الأساسية مثل الصحة والحماية وتوفير مياه الشرب ويواجهن تميزا متزايد وتحديات كبيرة في الوصول إلى الدعم المنقذ للحياة خاصة في ظل نقص التمويل وضعف البنية التحتية.

وفي السياق ذاته، يؤكد تقرير، صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) أن ذوات الإعاقة يتحملن مسؤوليات رعاية كبيرة غير مدفوعة الأجر داخل أسرهن ومجتمعاتهن، بينما يواجهن في كثير من الأحيان وصمة عار وصعوبات في الوصول إلى الفرص الاقتصادية.

غياب السياسات

يؤكد مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في تعز، صبري طارش المعمري، عدم وجود سياسات مكتملة ومخصصة لحماية النساء ذوات الإعاقة من العنف القائم على النوع الاجتماعي. ورغم وجود أطر عامة، مثل بعض بنود قانون حماية المرأة وتوجيهات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إلا أنها تفتقر إلى إجراءات تشغيلية واضحة، وتُستقبل البلاغات غالبًا بشكل فردي، تُدرج ضمن حالات عنف عام دون تصنيف خاص بذوات الإعاقة، ما يؤدي إلى غياب قاعدة بيانات دقيقة تعيق التخطيط وبناء استجابات فعالة، حسب المعمري.

ويضيف المدير المعمري، أن آليات الحماية القائمة غير مهيأة من حيث سهولة الوصول أو الكوادر المدربة، خصوصًا في حالات الإعاقة السمعية أو الذهنية، إلى جانب تحديات إضافية مثل وصمة العار، والخوف من الإبلاغ، وضعف التنسيق بين المؤسسات.

ويشير إلى أن غياب السياسات الواضحة يؤدي إلى استمرار الإقصاء والتمييز، ما يجعلهن أكثر عرضة للعنف النفسي، ويقوض ثقتهن بإمكانية التغيير أو الحصول على حماية حقيقية.

دور المجتمع المدني

أوضح المدير التنفيذي لمؤسسة بسمة حياة، المختصة بتمكين ذوات الإعاقة، عادل دحان لـ”منصتي 30″، أن المؤسسة تعمل على تمكين النساء ذوات الإعاقة من خلال برامج مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وبناء القدرات، وتقديم الإحالة للدعم النفسي والقانوني، إضافة إلى تنفيذ حملات توعوية تستهدف المجتمع المحلي وصناع القرار لتعزيز قبول النساء ذوات الإعاقة وحقوقهن، غير أن هذه الجهود تصطدم بضعف الوعي المجتمعي، وغياب مراكز حماية متخصصة، ومحدودية الموارد اللازمة لتقديم خدمات شاملة ومستدامة.

 

  • تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي.

اترك تعليقاً