صورة جوية لأحواض الملح (المملاح) في عدن | Instagram
article comment count is: 0

الأراضي الرطبة.. ومهددات بقائها في عدن

تُعرف عدن ببحرها وسواحلها الذهبية البديعة، لكن ماذا تعرفون عن الأشكال الأخرى لأراضيها الرطبة؟

الأراضي الرطبة هي حيث تلتقي اليابسة بالماء وفي حالتنا هي السواحل، البحيرات الساحلية والسبخات المالحة المتكونة على أراضٍ منبسطة وسيعة ترتفع عليها مياه البحر ثم تنحسر في دورة منتظمة شهرياً. هذه البيئة الحدودية فائقة الجمال هي من الحركة والغنى بحيث يعتمد عليها طيف حيوي واسع، وتنمو حولها نشاطات اقتصادية مميزة، كما أن لها أهمية بيئية حاسمة في تعديل المناخ وتوفير المياه النقية.

المحميات الرطبة في عدن

حصة عدن من الأراضي الرطبة هي الأهم على مستوى الجزيرة العربية، ففي المدينة أُعلنت خمس محميات رطبة هي: بحيرات البجع والمملاح في خورمكسر، مستنقعات كالتكس/الحسوة في المنصورة ومصب الوادي الكبير وخور بير أحمد في البريقة وتغطي جميعها مساحة إجمالية تقدر ب 26 كلم2. تتغذى هذه المحميات بمياه المحيط العميقة الباردة والغنية بالعناصر الغذائية والتي تُدفع إلى السطح بفعل التيارات الصاعدة في خليج عدن وهذه ميزة حاسمة في تعديل مناخ المدينة.

Instagram

خور بير أحمد والذي يكونه منبسط طيني ضخم يُعد ملجأً طبيعياً هو الأغنى في المنطقة لأنواع عديدة من أحياء المياه المالحة، بينها في فترات المد السلاحف البحرية. وفي المملاح تنتشر أحواض الملح الطبيعية والتي تتمتع بدرجات عالية من التملح تسمح بإنتاج أجود أنواع الملح البحري عالمياً. أما مصب الوادي الكبير وشواطئ خليج التواهي من جهة كالتكس فهي مناطق صيد غنية تزخر بعشرات الأنواع من الأسماك، منها 31 نوعاً يتكاثر في محميات الأرضي الرطبة؛ البيئة المثالية لحضانة وتنشئة الأسماك الصغيرة.

الطيور المهاجرة

بين منتصف أكتوبر وحتى منتصف فبراير، وفي أجواء شتوية معتدلة يحط سنوياً في عدن 10 آلاف طائر من 150 نوعاً مختلفاً من الأنواع المائية والخواضة، والتي تتحرك في أسراب مهاجرة بين آسيا وأوروبا من جهة وأفريقيا على الجهة الأخرى، يجذبها إلى عدن غنى أراضيها الرطبة بالأسماك الصغيرة بالإضافة لكونها بيئة بعيدة عن التيارات البحرية والتقلبات المناخية الحادة. أشهر تلك الأنواع المهاجرة هما طائرا النحام الوردي القصير والبلشون أو اللقلق.

Instagram

مهددات البيئة الرطبة في عدن

هذه البيئة ذات الأهمية الحرجة للطيور والأسماك تشهد مهددات تضغط على أعدادها المتناقصة سنوياً. وفق خبراء، فبعد العام 1990م شهدت عدن تغيرات اقتصادية واجتماعية جذرية عابها إهمال التخطيط الاستراتيجي الأمر الذي قاد إلى استنزافٍ حاد لمورد الأراضي الرطبة. تحدث الدكتور أحمد علي مهدي رئيس جمعية مبرة عدن النشطة منذ عقود في مجال حماية الأراضي الرطبة بحديث خاص “عن جملة من تلك المخاطر أهمها الضغط الديموغرافي القائم في صورة زحفٍ عمراني محموم على مساحات الأرضي الرطبة خاصة في بير أحمد والمملاح، ناهيك عن إنشاء محطات التزود بالديزل السام والمهدد للأحياء المائية جوار هذه البيئة الحساسة”.

Instagram

أما السواحل، يذكر الدكتور أحمد أنه وقبل العام 1994م نص القانون على منع تشييد المباني إلا على مسافة 150متراً كحد أدنى من أعلى مد للبحر، لكن غياب الوعي تجاه خصوصية البيئات الرطبة والساحلية للإدارات اللاحقة أدى إلى استهلاك ساحل أبين بالكامل لصالح أعمال بناء خاصة لا يُستفاد اليوم من أغلبها، لكنها كرست حرمان المدينة وأهلها من التنفس من خلال الساحل الذي كان في يومٍ ما ينبسط على مد البصر.

تجارب فريدة

في العالم 2004 حولت مبادرة للمجتمع المحلي في الحسوة المنطقة من مكب للنفايات إلى نظام بيئي رطب فعال، فكيف حصل ذلك؟

في الحسوة، عمد المجتمع إلى إزالة مكبات النفايات وشق القنوات لمياه الصرف الصحي التي سبق معالجتها في محطة كابوتا، هذه المياه تمر عبر أربعة هكتارات من نخيل الدوم التي بجانب كونها مورد لمنتجات محلية عديدة كالخل والأشغال العزفية فهي تعمل كمرحلة تنقية إضافية للمياه قبل أن تصب في المحمية متيحة للبيئة الرطبة أن تستعيد عافيتها وتعاود دورها كملاذ للطيور المهاجرة، حيث تعد المحمية بعد تأهيلها المنطقة الوحيدة في الجزيرة العربية التي يعشش فيها النحام الوردي القصير و يتكاثر. لتُعلن الحسوة في 2008 كمحمية ومنطقة سياحية بعد أن أضحت رقعة الأرض الخضراء الوحيدة في عدن. إلا أن المحمية تشهد حالياً تدهور متسارع نتيجة تردي الأوضاع في السنوات الأخيرة.

Instagram

وفي شاطئ الخليج الأمامي عند مدخل مدينة عدن القديمة نشطت قوى المجتمع المدني في السنوات الأخيرة ضد قرار صرفه لصالح أعمال استثمار خاصة ونجحت في إعلان الشاطئ متنفساً عاماً يجري تشجير أجزاء منه بإشراف من جمعية مبرة عدن. للجمعية نشاط كثيف كذلك في مجال حماية بحيرات البجع ضد محاولات البسط التي طالتها، وكانت الجمعية قد شيدت لمتابعة حركة الطيور برج مراقبة زُود بأجهزة تخدم هذا الغرض إلا أن الحرب القائمة أدت إلى تحويل البرج إلى موقع عسكري.

و تعود قضية الأراضي الرطبة في عدن إلى الواجهة مجدداً مع تصاعد الحملات المعارضة لتشييد مبانٍ خاصة في منطقة أبو دست في شاطئ صيرة وهو المتنفس وإحدى البيئات الحاضنة للشعاب المرجانية.

فكيف سيكون مصير الأراضي الرطبة و غطائها الحيوي في عدن تحت كل هذه الضغوط؟

اترك تعليقاً