article comment count is: 0

القيد الآخر

من لبسكِ حتى اسمكِ، يجب عليك أن تختفي عن الأنظار إن كنتِ امرأة في اليمن أو من اليمن، لأن ذلك مايزال رجساً من عمل الشيطان في نظر البعض من أبناء هذا البلد الذي تطحنه الحرب والنظرة الدونية للمرأة.

إنك نكرة“، هكذا ينظر إليكِ المجتمع، ويجب عليك أن تنصاعي لذلك، وأي محاولات للتحرر من تلك القيود التي تكبل حياتك وتحول دون نجاحك، ستقابل بالتعنيف باعتباركِ ارتكبتِ جرماً لا يغتفر.

تعاني المرأة الشرقية من تبعات العنف بشقيه الجسدي والمعنوي، إلا أنها في اليمن أكثر معاناة وضرراً من كل أشكال العنف والتهميش الذي يطالها.

وانطلاقاً من أسرتها فهي بالنسبة للبعض ليست أكثر من كائن زائد عن الحاجة ومجرد هامش تستهلك سنواتها داخل منزل أسرتها بانتظار زواجها. وبالتالي فهي تحرم من مواصلة تعليمها الذي ينتهي عند الصفوف الأولى لدى الكثير من الأسر اليمنية، بينما لدى البعض الآخر تحرم من التعليم بتاتاً، وقلة فقط من تسمح لفتياتها بالتعليم الجامعي.

وإلى أبعد من ذلك تحرم المرأة اليمنية في الغالب من حقها الشرعي في الميراث والتعامل والتقدير كإنسان، وليس مجرد تابع لسلطة الذكر الذي فوضه النظام الأبوي بالسيطرة والتحكم بكل شؤون المرأة، بصورة أنانية تصادر أبسط حقوق المرأة وكيانها المستقل.

وتتفاقم خطورة النظرة الدونية والمرأة للمرأة في المجتمع الريفي الذي يحكم على المرأة بالأعمال الشاقة، وتوكل إليها مهام فلاحة الأرض وجلب مياه الشرب من مناطق بعيدة، وغيرها من المهام التي تدخل في إطار الظلم والجور المجتمعي تجاه المرأة.

ومع اندلاع الحرب التي تعيشها اليمن منذ نحو سبعة أعوام، تفاقمت معاناة المرأة اليمنية بصورة مضاعفة، بعد أن صودرت حريتها بصورة كاملة، بما في ذلك حرية التعبير كأبسط الحقوق الإنسانية المكفولة في الدساتير والتشريعات المحلية والدولية. إذ لم يعد بمقدور المرأة اليمنية إبداء رأيها تجاه أي حدث، في مجتمع يغرق في براثن الصراع وأتون الحرب.

لقد أوغلت التفسيرات المتشددة للدين هنا وهناك في شيطنة كل امرأة تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي كحق طبيعي لها في القرن الواحد والعشرين لقول رأيها، الأمر الذي دفع بكثيرات إلى استخدام حيلة الأسماء المستعارة خوفاً من الملاحقات بالدعوى الأخلاقية وتعدي لياقة عادات مجتمع باتت ضاربة في الرجعية، وهو الأمر الذي ينمط ويضعف دور المرأة النضالي والتنويري في تطوير المجتمع وترقيته على كافة الأصعدة.

نساء وفتيات وناشطات كثر كُنّ بداية دخولهن إلى منصات التواصل الاجتماعي يعبرن عن آرائهن بكل حرية، غير  أنهن اضطررن مؤخراً إلى تغيير أسمائهن بأسماء مستعارة، وهو ما أثار فضولي لسؤال بعضهن عن سبب التغيير المفاجئ فكان رد أغلبهن أنهن تعرضن لمضايقات وعنف  لفظي إضافة للتنمر، خاصة من قبل الذكور في عائلاتهن.

يرى قطاع كبير من المجتمع اليمني أحقية أن يكون الرجل هو المسيطر والمتحكم في المرأة حتى على مستوى التفكير، فإن نافسته وقامت بالحديث وإبداء رأيها فذلك يعتبر انتقاصاً. وإن كانت الفتاة تستند لأسرة مثقفة مؤمنة بحقها في التعبير، فإنها لن تسلم من المضايقات والمعوقات المجتمعية، من جيرانها أو أقاربها ولو من الدرجة الخامسة عشر إضافة إلى تنمر قطاع واسع من المجتمع عليها بهدف دفعها لفقدان الثقة بنفسها ومسايرة الجميع والتفكير معهم بأن  مكان المرأة لا يتجاوز المطبخ، وأن عليها ألا تحلم بأن يكن لها دور  بارز يسهم في إبداء الرأي وصناعة السلام.

لجوء اليمنيات لفكرة الأسماء المستعارة كان متنفساً لهن من الضغوط التي تعرضن لها جراء كتابتهن لأسمائهن الحقيقية فبتن يكتبن بشكل أكثر حرية دون خوف، ولكن يبقى هاجسهن الوحيد ماذا لو اكتشف أحد أسماءهن الحقيقية؟ فربما قد يتعرضن للعنف الجسدي أو الحبس.

تتداول في صفحات التواصل الاجتماعي وفي أوساط المجتمع قصص لنساء يمنيات اكتشف أفراد أسرتهن الذكور أن لديهن حسابات على منصة فيس بوك وواجهن عنفاً جسدياً ونفسياً كبيراً ولم يستطعن التوجه بالشكوى لأي جهة قانونية كون الأمر يعد عيباً وفاضحاً، وغالباً ما يكون الرد أنهن يستخدمن منصات فيسبوك وتويتر وغيرها من شبكات التواصل استخدام يسيء لاسم العائلة والقبيلة كون كثير من الذكور في المجتمعات المحلية القبلية في اليمن يجددون الولاء للقبيلة في كل عمل.

إن صنوف التنمر والعنف الذي تواجهه المرأة كلما حاولت الحصول على حقها في التعبير لا يقتصر على الذكور فقط، فالتنشئة المجتمعية جعلت حتى تفكير النساء بالمرأة المثقفة التي تفكر وتسعى للخوض في أي نقاش أنها امرأة تخرج عن دائرة الطاعة وتهذي بما لا تدري وينظر إليها بينهن بانتقاص وبازدراء وتنمر، فكيف إن عرفن أن لها صفحة على منصة التواصل الاجتماعي ولديها آلاف من الأصدقاء والصديقات والمتابعين، فإنهن سرعان ما يتهامسن بالحديث بينهن أنها امرأة تجاوزت حدود الأخلاق.

الأمية التي حلت في الفترة الأخيرة بالتزامن مع اشتعال فتيل الحرب في عموم اليمن ساهمت في جعل القرارات سواءً أكانت السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية وغيرها بيد الرجل وروجت له كونه القادر على السيطرة وحل كل المشاكل، وقللت من دور المرأة على الرغم من وجود النماذج الناجحة التي حققتها النساء بمحطات عديدة في الحياة بكل جوانبها من سياسية واقتصادية وثقافية وقيادية، إلا أن اليمنيين إلى اليوم غير قابلين للفكرة، وإن حاولوا تقبلها فعلى مضض وبشروط تقيد المرأة ولا تخدم انطلاقها صوب الأفق لخلق التغيير المنشود.

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً