أم المساكين مريم تعز
article comment count is: 0

«أم المساكين» عقود أربعة بجانب المنسيين!

اعتادت مريم أحمد، (80 عاماً)، الخروج من منزلها وسط مدينة تعز، صباح كل يوم اثنين وخميس، لتبدأ مسيرة إنسانية تقودها الحجة بمفردها، حيث تَقصِدُ المنسيين على أطراف المدينة، وتتفقد المحتاجين، لتكون بذلك رفيقة الفئات الأكثر إهمالاً، ونسياناً في اليمن.

منذ أكثر من أربعين عاماً، وهذه المرأة تعمل بجانب الفئات الضعيفة، بدءاً من المرضى النفسانيين، ومرضى الجذام، وصولاً إلى الأيتام، والمعدمين في سجن مركزي تعز.. تقدم لهم ما تجود به من الطعام والفواكه، وتحرص كل مرة على تنوع الأغذية والمشروبات، وكذلك الملابس الجديدة خلال موسم عيدي الفطر والأضحى.

في الفترة التي سبقت سنوات الحرب، تقول مريم إنها رافقت المرضى في المصحة، ونزلاء السجن، بدافع إنساني: “في البداية كنت أشتغل في بسطة صغيرة، كبائعة للبطاط، ونتيجة لتوفر المال قررت التجارة مع الله، وبدأت مشواري في العمل الخيري”.

وتضيف لـ “منصتي 30“: “المرضى والسجناء هم أكثر الناس بحاجة للمساعدة، فلا المجتمع يهتم لأمرهم، ولا الدولة ترعاهم بالشكل المطلوب.. قبل الحرب، كنت أزورهم أسبوعياً، أحمل لهم الخمير، وأشتري لهم الفواكه، والتمر، وكل شيء أقدر على توفيره، حسب استطاعتي.. لكن اليوم، أصبحت عاجزة عن العمل، وإمكاناتي قليلة، خاصة مع الحرب صعب تلاقي داعم أو فاعل خير ينفق بشكل دائم”.

على الرغم من التحولات والتبدلات التي حدثت في زمن الحرب، إلا أن مريم استمرت بفكرتها المستدامة، ومشروعها الخيري، ونتيجة لقلة الإمكانات فقد انقطعت الحجة عن تقديم الطعام للمرضى في مستشفى الجذام.. توضح: “الظروف أجبرتني يا ولدي، أما أني أتمنى أعطي لجميع المرضى، والفقراء، والمحتاجين، أسأل الله يرزقني العمر والعافية، لأبقى بجانب هؤلاء الضعفاء”.

لمريم ألف قصة مع المرضى النفسانيين بتعز، آخرها عندما وجدها معد التقرير منتهية من عملية توزيع حبات التمر على أكياس محدودة العدد، تؤكد أنها تساوي عدد الحالات في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، الواقع شمال المدينة.

برفقتها، ذهبنا إلى مخبز شعبي، يتوسط المدينة القديمة، لشراء الخمير، ثم الذهاب إلى سوق باب موسى لأخذ الخضروات والفواكه.. وهناك انضم إليها محمد المعمري، رجل تطوع مؤخراً بباصه ليكون وسيلة نقل تساعدها لإكمال مهمتها الإنسانية.

ما إن تصل مريم المستشفى حتى ينادي المرضى بعضهم.. “الأم مريم، جاءت”، يتسابقون نحوها، في مشهد يبدو مؤثراً، وباعثاً للتساؤل في نفس الوقت، كيف لهذه المرأة القدرة على تهدئة حالات لم يستطع الأطباء ترويضها أحياناً.. تجيب: “هؤلاء المرضى بمثابة أولادي، فئة لا حول لها ولا قوة، الجميع تخلى عنهم.. هم بحاجة لحنان الأم، والتعامل بلطف، كل واحد هنا يعتبرني أم له، وبالفعل أصبحت والدة هؤلاء المنسيين”.

ينقطع غالبية أهالي هؤلاء المرضى عن زيارتهم، فيما تتعهدهم مريم بالزيارة والاهتمام منذ عقود أربعة، دون انقطاع.. أسبوعياً ستجد هذه السيدة تتجول بين المرضى، توزع الطعام، وتطعم البعض بيدٍ تتصف بالرحمة والرأفة، تعطي بسخاء، وتمنح بكرم نادر، وتنفق من أجل هذه الشريحة ما لديها من مال.. لا تتردد عن منحهم ما يطلبونه، ولا ترد السائل إذا سأل، معروفة بأم الخير، ووالدة المساكين.

ينسى الأهالي مرضاهم في المستشفى قاصدين الخلاص منهم؛ لكن ثمة من لا ينساهم، حد قول عادل ملهي، مدير مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بتعز.. “الحجة مريم، قصة ملهمة والحديث عنها ذو شجون، تمثل الروح الطيبة، وصاحبة القلب الرحيم، الميال لفعل الخير.. منذ أن وصلت إلى إدارة المستشفى، قبل عشرين عام، وأنا أرى هذه المرأة تتردد كل أسبوع على المكان، تزور المرضى، حاملة معها، ما تستطيع، تزويدهم ببعض الطعام، وهذا بالتأكيد يساعدنا على تجاوز الفترة التي تمتد بين الصباح والمساء”.

ويشير ملهي في حديثه للمنصة إلى أن ما تقدمه مريم يعني الكثير من الناحية المعنوية، وقد يفوق ما يقدمه الكثير، بالرغم من فارق الكمية، إلا أن المعنى الحقيقي في مبادرتها هو الهدف والغاية من الالتفات لمثل هذه الشريحة المنسية.

وكثيرة هي الأعمال الإنسانية والخيرية التي قدمتها الأم مريم، ولا تزال تقدم الكثير من المساعدات، وتمد يد العون للفئات المعوزة، فإصرار هذه المسنة على العمل الخيري يعد نموذجاً حياً، وقصة كفاح من أجل الإنسانية، ونجاح نادر لامرأة تتمتع بروح الصبر، وحب الآخرين.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً