سيدتان أمام أحد الآبار في منطقة ريفية باليمن
امرأتان تنقلان الماء على ظهور الحمير من أحد الآبار في منطقة ريفية باليمن. flickr
article comment count is: 1

العمل الإنساني في اليمن.. حضور نسائي رغم المعوقات!

كان العمل الإنساني ولايزال واحداً من أهم المجالات الفاعلة في اليمن، خصوصاً في ظل متلازمة الحرب، الفقر، والمرض التي عصفت بالمشهد اليمني عقب ثورة فبراير 2011، ومع تمدد جبهات الصراع في مختلف أرجاء البلاد، زادت وتيرة العمل الإنساني، وتزايد معها تواجد المنظمات الدولية الإغاثية، والحقوقية بحضور طاغٍ يعكس سوء الوضع الإنساني، ورغم تعدد التنظيمات، والمؤسسات، التي تعنى بمواجهة الكوارث الإنسانية، والتخفيف منها إلا أن الإمكانيات قليلة، والموارد شحيحة للغاية مقارنة بالأرقام المهولة لضحايا الحرب، والفقر، والمرض الذين تجاوزوا نصف سكان البلاد.

في ظل هذا الوضع المفزع، كان على الإنسان اليمني أن يضع لمسته في خدمة ضحايا الحرب من أبناء جلدته، ويقوم بدور كبير يوازي دور المنظمات الدولية، سواء من حيث التنظيم، أو الجهود، أو القدرات، وظهر الكثير من المتطوعين، والمتطوعات اليمنيين جنباً إلى جنب في مواجهة محنة شعب عريق عصفت به الحروب.

لما كانت المرأة العنصر الأكثر حضوراً على المستوى الإنساني، بطبيعة فطرتها الإنسانية، ومشاعرها الميالة إلى العطف، واللين؛ فقد سلبت شقيقها الرجل زمام المبادرة في هذا المجال، وتركت له جوانب أخرى ليتبوأها، وسأورد هنا نماذج نسائية رائدة في العمل الإنساني للقصر لا الحصر، من اللواتي كُن في مقدمة الصفوف الإغاثية، وقدمن يد العون لألاف الأسرة المتضررة في مناطق متفرقة من جغرافيا وطنهم الجريح، متحدين بذلك ظروفهن الأسرية، والعملية، ومخاطر العمل الإنساني في بقاع ملتهبة من البلاد

– أشواق محرم، طبيبة يمنية (41 عاماً) تعمل كناشطة إنسانية في مجال مكافحة الجوع، وحملت على عاتقها خدمة الفقراء، والمتضررين من الحرب في محافظة الحديدة غرب البلاد، إذ كانت السباقة في إنقاذ المئات من متضرري الحرب بجهود، وقدرات شخصية، ووفرت الدواء، والغذاء لهم، مستخدمة سيارتها الشخصية كوسيلة تنقل في مناطق مهمشة في تهامة بحثاً عن الأسر الفقيرة، والأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، كما أوصلت معاناة الفقراء، وضحايا الصراع إلى رجال الأعمال اليمنيين، والمنظمات الدولية، وأسهمت بذلك في تخفيف معاناة الكثيرين من أبناء تهامة.

تعمل أم الفقراء -كما يطلق عليها أبناء تهامة- في بيئة خطرة، وتتنقل بين المناطق التي طالتها غارات طيران التحالف دون اكتراث لسلامتها الشخصية، مقابل اهتمامها بإنقاذ الأُسر المنكوبة، مقدمة بهذا نموذج للمرأة الرائدة في الشأن الإنساني، واليمنية الأصيلة في نهجها القائم على حب التضحية من أجل الآخرين.

صنفت الطبيبة الإنسانة أشواق محرم ضمن أفضل 100 امرأة في العالم، شَكَلْن مصدر إلهام، وتأثير في العام 2016، ومازالت على هرم الريادة النسوية في العمل الإنساني حتى اللحظة.

– ريهام البدر، محامية وناشطة في مقتبل العمر، من أبناء محافظة تعز، بذلت جهودا إنسانية كبيرة في مدينتها المحاصرة، وركزت جل اهتمامها على توفير الغذاء، والماء، والدواء للأهالي الساكنين جوار خطوط النار بين طرفي الصراع في المدينة الحوثيون من جهة، والقوات الموالية للرئيس هادي من جهة أخرى،ونقلت معاناة الأهالي إلى مختلف المحافل الدولية عبر وسائل الإعلام.

في الثامن من فبراير 2018 رصدتها رصاصة غادرة من قبل أحد مقاتلي الحوثي، أثناء تواجدها في إحدى مناطق المواجهات لتوزيع الماء، والغذاء على الأُسر المنكوبة، لِيُسدل الستار على مسيرة شابة نقية وهبت ربيع عمرها لخدمة الإنسانية، ويبقى أسمها محفوراً على ذاكرة الزمن.

– عائشة ثواب، طبيبة من أبناء محافظة حجة، كرست جل اهتمامها للمهنة، وخدمة فقراء ومعسري أبناء تهامة، من خلال تقديم مقومات الحياة للمتضررين في أجزاء مختلفة من محافظتي حجة، والحديدة، وبإمكانياتها المحدودة كطبيبة، وناشطة إنسانية استطاعت نقل صورة واضحة للوضع الإنساني في تهامة، وبعزيمتها كونت شراكات كبيرة مع جهات خيرية داخلية، وخارحية من خلال منصبها (رئيس منظمة عبس التنموية)، وتكوين أنشطة إنسانية مشتركة صبت في خدمة ضحايا الحرب، والمعسرين في تهامة بشكل عام.

رغم هذا الحضور اللافت للعمل الإنساني في البلاد، مازالت ثمة معوقات تقف حائلاً أمام جهود مكافحة الجوع، والفقر، والمرض، أولها استفحال الحرب في مختلف أرجاء البلاد، وخطورة تنقل فرق الإغاثة في مناطق المواجهات، كذلك تغول الفساد في المشاريع الإنسانية، إضافة إلى شحة الإمكانيات في مواجهة الوضع الإنساني الكارثي، ناهيك عن مضايقات أطراف الصراع لرواد العمل الإنساني، وابتزازهم من أجل الحصول على حصص كبيرة من المساعدات التي يحملونها للمتضررين من جهة، واعتقال بعض الناشطين الإنسانيين بتهم مفبركة من جهة أخرى.

في الأخير يبقى النشاط الإنساني في اليمن مجالاً واعداً، رغم السلبيات، والمعوقات التي تعترضه؛ وبوسعه أن يسهم فعلا في تخفيف معاناة الناس، إذا كان لدى أطراف الصراع نية جادة في استيعاب مفهوم العمل الإنساني، الذي يقوم على مبادئ سامية هدفها خدمة الإنسان بغض النظر عن انتمائه الديني، السياسي، والعرقي!.

 

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)