تمكين المرأة حضرموت
فن تشكيلي: روان عمر المري
article comment count is: 0

خارج أبواب الصراع.. تمكين المرأة بين التقاليد والتنمية!

في ضحوة مشمسة من ضحويات مدينة المكلا، حيث تهب نسمات البحر محملة برائحة المودة والسكينة، كان الوالد “سالمين” جالسًا يرتشف الشاي مع الباخمري ويتحلطم عبر مجموعات الواتساب مع أصحابه المتقاعدين. قال بنبرة قلقة: “يا رجال، اش ذي الأخبار اللي نسمعها كل يوم؟ بنتي فاطمة بغت تروح تمثل حضرموت في مؤتمر ثقافي وتتكلم قدام البعثات والوفود. عادنا إلا باقعد في السكة والناس تقول: سالمين ضيع الرسن وخلى الحبل على الغارب!”.

فاطمة ابنة سالمين المدللة، شابة صقلتها أروقة كلية الآداب في جامعة حضرموت، لم تيأس يومًا في تغيير نظرة والدها عن تمكين المرأة. هي تعرف أنّ والدها “كوره يابس” كما يقولون، رأسه عنيد لكن قلبه كبير، وأنّ الأمر يحتاج منها إلى صبر ومجهود أكبر.

صباح يوم المؤتمر، كانت فاطمة تبتسم وهي تجهز أوراقها وقصاصات من تراث حضرموت المعماري. اقتربت من والدها وقالت بهدوء: “يا بويه، حضرموت طول عمرها تصدر العلم والأدب من ميناء المكلا لكل العالم، وبنتك ما بتلقى إلا اللي يشرفك ويشرف حضرموت. خليها بالسهالة والأمور طيبة، والمحارة إذا تمت في القاع ما حد درى بجمال لؤلؤها”.

انطلقت فعاليات المؤتمر في إحدى قاعات المدينة، صخب الدهشةِ طاغٍ على اختلاف الألسن، الجميعُ يسكنه الفضول حول ماذا سيقال، ومن بينهم سالمين الذي اختار أن يلبي دعوة ابنته يدفعه بذلك خوفه المخلوط بالفرح. اختار زاوية لا يراه فيها أحد، وما لبث أن سمع صوتًا مألوفًا. رفع بصره إلى المسرح ليجد ابنته تقف بثبات بعباءتها الوقورة، تتحدث بلغة رصينة عن “دور الثقافة في التئام الجروح الوطنية”. سمع الحاضرين يهمسون: “بنت من ذي اللي كلامها يوزن ذهب؟” فرد أحدهم: “ذي فاطمة بنت سالمين، يقولون عقلها يوزن بلد، وهي اللي رتبت وثيقة التعايش لشباب الساحل”.

في تلك اللحظة، لم يشعر سالمين إلا بدموع الفخر تسبقه. عاد إلى بيته وبخّر المجلس بالبخور الحضرمي، واستقبل ابنته قائلًا: “يا فاطمة، اليوم عرفت إنّ تمكين المرأة مش خروج عن عادتنا. التمكين هو إنّ عادتنا تخرج للعالم بصورة تشرف وتصلح حال الناس!”.

كثيرٌ منّا رأى أمثال العمّ سالمين الذي يتمنى لو أن يُحلِّق بابنته نحو الفضاء بلا حدّ ولا قيد، ولكن يخافُ أن يكون على غير ما اعتاد عليه المجتمع، أن تطاله الألسن بما لا يطيق أو أن يسكن ابنته جرحٌ غائر من كلمة عابرة، الآباء أرحم ببناتهم من ويلات الكلمة وسعير الجُمل، يفضلون أن تُقتل الأمنيات لا أن تموت بناتهم في سبيلها.

إلى كل أب حضرمي يحمل هواجس “الوالد سالمين”، إلى كل من يخاف على ابنته من قسوة الميدان أو من نظرات المجتمع: إنّ تمكين ابنتكم في الساحة الثقافية لا يعني تغريبها عن قيمها. على عكس ذلك، إنه تحصين لها بالعلم والمعرفة لتصبح شريكًا حقيقيًا في بناء وطن آمن. ابنتكم التي تخرج بعباءتها الوقورة، بعلمها وأدبها، هي التي ستحمي إرث أجدادها من الاندثار. نجاحها اليوم هو ثمرة تربيتكم الصالحة، وهو الضمان الحقيقي لكي تظل حضرموت “أرض العلم والعلماء”.

إنّ “تمكين المرأة” ليس مصطلحًا يحملُ في طياته العداوة والبغضاء للعادات والتقاليد، على عكس ذلك، هو مصطلحٌ تغنت به الشريعة الإسلامية فقال الله عز وجل: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف” وقال الرسول صلى الله عليه وسلم “النساء شقائق الرجال” أي لا فرق بينهم في الحقوق ولا في الواجبات، الجميعُ سواء. وبناءً على ذلك برزت لدينا التاجرة خديجة بنت خويلد، والطبيبة رفيدة الأسلمية، والشاعرة الخنساء المخضرمة، ومثقفات العصر من نساء الأنصار، والتاريخ يحمل في جعبته الكثير.

لم يكن التمكين يومًا سبيلًا للتخلي عن القيم والمبادئ، ولا بوابة للسفور والتبرج، فهذا منطق الجاهلين الذين يرون أن مكانَ المرأة “المطبخ” ولا شأن لها بالعالم الخارجي. العالم اليوم لم يعد كما كان من قبل، كل شيء له ميزانٌ يحكمه، وتواجد المرأة فيه سببٌ لتوزانه، فتمكين المرأة يخلق من الموت حياة، ومن الاندثار ازدهار، فلا نهضة لمجتمعٍ أساسه بؤر، ولا بقاء لحضارة نصفُ شعبها غير مُمَكن.

ومن رحم المعاناة نرى اليوم تزايد عدد الشبكات المهنية النسائية الرسمية التي تعمل على دعم تمكين المرأة في الساحل وتفعيل دورها في العمل المجتمعي والتنموي، وقد نشأ من هذه الشبكات قيادات نسائية حضرمية يُمثلن مجموعة واسعة من القطاعات المهنية، والآتي أكدت بعضهن على “أنّ الشبكة الأسرية هي الخطوة الأولى في توفير الدعم للنساء”¹ فالتمكين يبدأ من المنزل حتى يظهر للعالم.

وننتقل من الساحة إلى رأس الهرم لنرى “عفاف” و”أميرة” و”عتاب” في مؤسسات السلطة المحلية، تثبت الواحدة منهن تلو الأخرى أنّ الكفاءة لا تعترف بالجندر. صحيح أن الأعداد ما زالت دون الطموح، لكن الحضور النوعي للمرأة في المكاتب التنفيذية يرسم ملامح جديدة للإدارة، فحين تدير المرأة ملفًا ستفعل كل ما يجب حتى يبدو على أكمل وجه، ويظهر بأحسن صورة له.

ولأن صندوق دعم الشباب يعتبر مركزًا مهمًا في تمكين ودعم المشاريع النسائيةِ، قمنا بطرقِ أبوابه لنستلهم قصص النجاح التي ما كانت لتصير لولا وجوده ووجود الاستاذة رشا بن هامل التي تقوده بمهنية وكفاءة بارزتين، تقول رشا: “نحن نؤمن أنّ تمكين المرأة ركيزة أساسية للتنمية المستدامة” فكل ما يموله الصندوق يعد بوابة لاستقلالية المرأة الاقتصادية. يسبقه تأهيل وتدريب، وتتبعه استشارات فنية ترعى المشروع حتى ينمو. وقد أثبتت المرأة الحضرمية التزامًا منقطع النظير؛ فالمشاريع التي تديرها نساء غالبًا ما تكون الأكثر انضباطًا في السداد، والأكثر حرصًا على التطوير. حيث أنّ حضور المرأة لا يقتصر على التواجد الكمي بل هو حضور نوعي يضيف لمسة إبداعية فارقة.

وتأكيدًا على أنّ تمكين المرأة لا ينافي عادات المجتمع ولا يعارض تقاليده، تقول خديجة بابطاح الفائزة بجائزة السرد اليمني “حزاوي” عن روايتها “إينشا” والتي جلست حبيسة الأركان مدة خمس سنوات بسبب قلة الفرص: “إنّ تمكين المرأة يبدأ من نشر الوعي بأهمية تعليم الفتيات. حين نعلم بنتنا، نمنحها مفاتيح العالم. ثم تأتي الأمور الثقافية بشكل طبيعي خلال المراحل التعليمية، فتكتسب الفتاة قوة التعليم والوعي الثقافي معًا”. وهذا يعني أنه لا يمكن بناء مثقفة دون أن نمرر لها شغف المعرفة منذ الصغر، ولا يمكن لامرأة أن تقود دون أن تؤمن هي أولًا بأنها قادرة، لتختم كلامها بالتأكيد على أن أسرتها هي المحفز الأول لها للسير في هذا الدرب.

ومن منبر الثقافة ترى الاستاذة فاطمة البعسي أن تمكين الفتاة عزز من قيم التسامح والتعايش والمجتمعي حيث عبّرت بقولها: “وجودي في مكتب الثقافة لم يكن مجرد وظيفة إدارية، بل مساحة فعلية لممارسة دور ثقافي وإنساني. من خلال عملي، سعينا لأن تكون الثقافة جسرًا للتقارب لا منصة للإقصاء، فكان التركيز على دعم الفعاليات التي تجمع مختلف الفئات، وتشجع الحوار، وتحترم التنوع في الآراء والخلفيات. حرصنا دائمًا على أن تكون الأنشطة الثقافية حاضنة لكل الأصوات، وخاصة الشباب والنساء، لأن إشراك الجميع في المشهد الثقافي يخلق وعيًا مجتمعيًا قائمًا على التسامح، ويعزز فكرة أنّ الاختلاف ليس تهديدًا بل ثراءً للمجتمع”. وعلى نحو متصل قالت: “إنّ التمكين الحقيقي لا يكون عبر المحاصصة بل عبر فتح الفرص العادلة، وبناء بيئة عمل تحترم الجدارة، وتقيم الأداء بعيدًا عن النوع الاجتماعي”. لقد أثبتت لنا الاستاذة فاطمة أنّ التمكين جسرٌ نحو نهضة المجتمع وبناء علامة فارقة فيه، فالمجتمع اليوم بحاجة إلى تكاتف جميع أبناءه لا أن يرمي بعضهم بعضاً بنبالِ التهميش والإقصاء، الجميع لديه الحق في الحصول على فرصة يثبت بها نفسه وجدارته، نحن الآن في مرحلة التغيير والبناء لا مرحلة التحريض وإشعال ألسنة الحرب بين الجندر.

ختامًا: نقول إنّ تمكين المرأة في ساحل حضرموت ليس مشروعًا غربيًا مستوردًا، وليس بدعة مستحدثة تتنكر للتراث. إنه امتداد طبيعي لدور المرأة الحضرمية عبر التاريخ، آن الآن للتهميش أن يُزال، وليأخذ كلٌ من أبناء المجتمع نصيبه من عجلة التنمية، زمن التأطير والتقديس والمحاصصة قد ولى واندثر، وللمرأة الحق في التمكين وأن ينظر لها كطاقة تغيير حقيقية لإحداث تنمية مستدامة في المجتمع مصداقًا لقول الشاعر ” حافظ إبراهيم”:

          الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها        أعددتَ شعبًا طيب الأعراق

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً