الصورة الإيجابية المرأة الأمثال الشعبية اليمنية
article comment count is: 0

من أجل تعزيز الصورة الإيجابية للمرأة في الأمثال الشعبية اليمنية

تُعدّ الأمثال الشعبية اليمنية أحد أبرز مكوّنات الذاكرة الثقافية للمجتمع اليمني؛ إذ تمثّل خلاصة التجربة الإنسانية والاجتماعية للمجتمع عبر العصور. فهي خطاب ثقافي يعكس منظومة القِيم، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، والتصوّرات الذهنية التي تُشكّل وَعي الأفراد والجماعات. وقد اكتسبت الأمثال قوّتها من ارتباطها بالواقع المَعيش، ومن قدرتها على التعبير المكثّف عن التجارب والخبرات الإنسانية، حتى أصبحت مرجعًا اجتماعيًا يُحتكم إليه في تفسير السلوك وتقويمه.

وتزخر الذاكرة الشعبية بكمّ واسع من الأمثال التي تتناول مختلف جوانب الحياة. وقد كان للمرأة اليمنية نصيب كبير في هذا الإرث، غير أنّ كفّة الأمثال التي تُسيء إليها أو تنتقص من شأنها، أكثر من تلك التي تُنصفها وتُبرز مكانتها. وقد انعكس هذا الاختلال على تشكيل وعي اجتماعي لا يعكس بالضرورة واقع المرأة اليمنية ودورها الفاعل في ميادين الحياة المختلفة. ومع ذلك، يمكن أن تكون الأمثال في الوقت نفسه، بوصفها مرآة تعكس الصور السلبية، مدخلًا لاستعادة الاعتبار، وإعادة التوازن في الخطاب الشعبي. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على الأمثال الشعبية اليمنية التي قدّمت صورة إيجابية للمرأة وأبرزت مكانتها، في محاولة لإعادة تشكيل النظرة المجتمعية تجاهها وتعزيز التماسك الاجتماعي.

رغم احتواء الذاكرة الشعبية على منجم من الأمثال الشعبية المتعلّقة بالمرأة، فإنك حينما تبحث فيها لن تجد سوى حفنة قليلة من الأمثال المنصفة لها. تُشير دراسة بعنوان “صورة المرأة في الأمثال اليمنية” إلى أنّ نسبة الأمثال المنصفة للمرأة لا تتجاوز ، مقابل 98٪ للأمثال ذات الطابع السلبي، وهو ما يتّسق مع ما رصده الباحث في الموروث الشعبي، عبد الجبار جويبر المَقرمي، من ندرة في الأمثال المنصفة للمرأة مقابل عشرات الأمثال السلبية والمُجحفة في حقّها، في بحثِه وجمعِه للأمثال الشعبية المتعلقة بالمرأة اليمنية من الأجداد وكبار السن.

هذه المفارقة الكبيرة تُظهر مدى حجم المشكلة التي يواجهها المجتمع والذاكرة الشعبية اليوم، فالانتشار الواسع للأمثال المسيئة للمرأة، في مقابل قلّة في الأمثال المنصفة لها يعني استمرار التهميش والإقصاء بحقّ المرأة، وهذا بدوره ينعكس سلبًا على تماسك المجتمع.

يعود الجانب الأبرز لهيمنة الأمثال السلبية إلى طبيعة المجتمع اليمني، فقد كان مجتمعًا أبويًا تُهيمن عليه مركزية الرجل في المجالات كافة، ويهمّش المرأة ويحصر دورها في القيام بالمهام المنزلية والتربية فقط. يقول الدكتور علي عزي، الحاصل على درجة الدكتوراه في الكفاءة التداولية في الأمثال اليمنية: “إن المثل الشعبي لا ينشأ في فراغ، بل يعكس السياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتجه، فالمجتمع اليمني في مرحله التقليدية كان مجتمعًا يقوم على مركزية الرجل في اتخاذ القرار وتحمّل المسؤوليات العامة، بينما ارتبط دور المرأة غالبًا بالمجال الأُسري، وهو ما انعكس على طبيعة الأمثال المتداولة وصورتها عن المرأة”.

بين الأمس واليوم، تغيّرت معالم الواقع كثيرًا، استطاعت المرأة اليمنية أن تُحدث نقلة نوعية في إثبات حضورها وأدائها الفاعل في مختلف المجالات، إلا أنّ استمرار تداول هذه الأمثال التي تعكس سياقات تقليدية يعمل على تشويش الوعي المجتمعي ويحدّ من جودة أداء المرأة.

ولا تكاد تخلو المواقف اليومية والتعاملات مع النساء من ذكر الأمثال السلبية التي تنتقص من أدوارهن، وهو ما يُعد انعكاسًا للفكر الجمعي المعبّر عن السياق الاجتماعي الذي يتناقل تلك الأمثال جيلًا بعد آخر، من دون التوقّف لبرهة للتفكير في مدى صحة ما تتداوله ألسنتهم، ولو تأمّلوا فيها، لوجدوا أنّها أمثال لا تعبر عن حقيقة المرأة، بل تنقل وعي المجتمع وتصوراته المسبقة عن المرأة.

ومن الأمثال الدالة على ذلك: “شاور المرأة وخالفها”، وهو مثل يصوّر عدم الثقة بقُدرة المرأة على اتخاذ القرار، ولا يعبّر بالضرورة عن حقيقة موضوعية، بل عن تصور اجتماعي نشأ في سياق تاريخي كانت فيه الخبرات العامّة محصورة بالرجال. أما المثل “هَمّ البنات حتى الممات”، فهو لا يعني أنّ المرأة مصدر إشكال، بل يعكس شعور المجتمع بالمسؤولية تجاه حمايتها، ويكشف عن طبيعة النظام الاجتماعي الذي يربط شرف الأسرة بحماية المرأة.

هذه النماذج وغيرها كثير تؤكّد أنّ الأمثال السلبية ما هي إلا تصورات غير صحيحة تبلورت نتيجة الثقافة المجتمعية التي اعتادت على تنميط دور المرأة وكبح محاولاتها في النهوض وتطوير المجتمع، وفي استمرار تداولها يخسر المجتمع نصفه الثاني الذي لا يقوم إلا به.

إنصافٌ لا يجد طريقه إلى التداول

إنّ قلة حضور الأمثال المنصفة للمرأة في التعاملات اليومية لا يعني مطلقًا غيابها في التراث، بل يعود في الأساس إلى عدم تداولها وتوثيقها من المهتمين بالتراث والأكاديميين. وفي هذا الصدد يؤكّد الدكتور علي أنّ غياب هذه الأمثال يعود إلى ضعف تداولها مقارنة بالأمثال ذات الطابع التحذيري أو النقدي، كما أن الدراسات العلمية المتخصّصة في الأمثال اليمنية لا تزال محدودة نسبيًا، مما أسهم في ضياع كثير من الأمثال المنصفة للمرأة أو بقائها حبيسة الذاكرة الشعبية.

وهنا تبرز أهمية تداول هذه الأمثال المنصفة على الصعيد الشخصي والعام، فبقاؤها حبيسة الذاكرة يعني اندثارها بعد وقتٍ قصير، وفقدان جزء مهمّ من الموروث الشفهي قد تفقد معه النساء ثقتهن بمجتمعهن.

ومن يتتبّع كثيراً من هذه الأمثال الشعبية المنصفة للمرأة، فسيجد أنها تغطّي نواحي مختلفة من حياتها وقدراتها وصفاتها وأدوارها الهامّة، ففي حين تنتشر الصورة النمطية عن المرأة اليمنية في بعض الأمثال الشعبية بأنّها ضعيفة وغير قادرة على فعل شيء بمفردها، برزت أخرى تُنصف شجاعتها، وتصفها بأنّها تعدل مئة رجل، واصفةً قوة تحمّلها وصبرها بصبر الجبال، ومن هذه الأمثال: “صُفّة ولا مئة دِقن”، و”المرأة تصبر صبر الجبال”. وإن وصف المرأة في هذه الأمثال بالشجاعة والصبر ليس بأمر غريب، فهي أوصاف استمدّتها المرأة اليمنية من واقعها وبيئتها التي تعيش فيها، وعودة ظهور هذه الأمثال اليوم يعزّز ثقة النساء بأنفسهن ويخلق وعيًا مجتمعيًا يحترمهن.

وقد أنصفت الأمثالُ المرأة عندما رأت أن وجودها شرط أساسي لاستقرار الحياة الأسرية، وأن البيت لا يستقيم من دونها، ومن هذه الأمثال: “المرة عمود البيت”، “بيت بلا مرة خراب”، و”البيت المرة والحبّة الذرة”، “من عاد أمّه لا تهمّه”. إنّ الربط بين البيت ووجود المرأة في هذه الأمثال يُظهر اعتراف المجتمع بأنّ استقرار المجتمع يبدأ من تمكين المرأة والاعتراف بوجودها داخل الأسرة التي تمثّل نواته، لذا فإن إعادة هذه الأمثال إلى الواجهة أمر ضروري لترميم النسيج المجتمعي.

كما أنصفت الأمثال المرأة برفع مكانتها وتقديم القيمة الإنسانية والسمعة الطيبة لها فوق أي اعتبارات مادّية، وتشبيهها بالأرض الخصبة التي ترد للإنسان ما يبذره أضعافًا مضاعفة، فتقابل الإحسان بعطاء لا محدود، ومن هذه الأمثال: “بنات الأصول خير من المال والمحصول”، و”جِربة ترد الذري”. قدّمت هذه الأمثال المرأة الصالحة على المال وشبّهتها بالأرض المعطاءة التي تحتاج لمن يرويها بالتقدير والاعتراف بأهمية أدوارها في المجتمع لتستمر في العطاء.

ولم تغفل الأمثال الشعبية عن إنصاف حنكة المرأة اليمنية في التدبير الذي يوفر للأسرة استقرارًا معيشيًا، مفضلةً رجاحة عقلها على التجارة الرابحة، ومن هذه الأمثال: “مرة مدبّرة ولا تجارة من عدن”، و”مرة مدبّرة ولا جِربة مثمرة”. في هذه الأمثال اعتراف واضح من المجتمع برجاحة عقل المرأة وقدرتها على الإدارة المالية والتدبير الاقتصادي، واليوم هناك حاجة ملحّة لإبراز هذه الأمثال لتتمكّن المرأة من مواجهة تهميش دورها في تنمية المجتمع.

هذه الأمثال المنصفة غالبًا ما تُستخدم في سياقات الإشادة والتقدير، بينما تُوظَّف الأمثال السلبية في سياقات التحذير والتوجيه، مما يجعلها أوسع تداولًا وأكثر انتشارًا، الأمر الذي جعل من إبراز الأمثال المنصفة اليوم ضرورة ثقافية للحفاظ عليها من الاندثار وعلى المرأة من التهميش وعلى المجتمع من التفكّك.

نحو تماسك مجتمعي

على مرّ العصور، أدّت الأمثال الشعبية دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي؛ لأنها مرجع ثقافي تَرجمت كلماته أجيالٌ متعاقبة إلى تفكير وسلوك، فكما عملت الأمثال السلبية على خلق صورة نمطيه للمرأة وخلفت شرخًا في المجتمع، فإن إبراز الأمثال المنصفة لها يعمل على ترميم هذا الشرخ ويدعم تماسك المجتمع. ويرى الدكتور علي أنّ إبراز الأمثال المنصفة للمرأة يُسهم بشكل مباشر في تعزيز التماسك المجتمعي؛ لأنه يُعيد التوازن إلى الصورة الثقافية للمرأة، وذلك بتعزيز احترام المرأة، ودعم استقرار الأسرة، وتقوية الشعور بالعدالة الاجتماعية بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين أفراد المجتمع.

ويذهب الباحث في الموروث الشعبي عبد الجبار المقرمي إلى أنّ نشر الوعي بين الشباب والأجيال الصاعدة يمثل خطوة محورية في إعادة تصحيح الصورة الثقافية للمرأة، مشدّدًا على ضرورة التوقّف عن ترويج الأمثال التي تهمّش المرأة أو تُضفي عليها صفة الدونية، في مقابل تعزيز خطاب ثقافي يعترف بها شريكًا كامل الحقوق في العمل، وصنع القرار، والمشاركة في الشأن العام.

وإن إنصاف المرأة ثقافيًا يفتح المجال أمامها للقيام بدورها المجتمعي من دون عوائق نفسية، ما ينعكس في تعزيز “اللمّة” الأسرية والعائلية، ويدفع المجتمع نحو نهضة قائمة على الشراكة الحقيقية، فالمجتمع الذي يُقدَّر جميع أفراده، رجالًا ونساءً، يكون أكثر قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية.

ختامًا، يكشف استعراض واقع المرأة في الأمثال الشعبية اليمنية التأثير الكبير للسياقات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في انتشار واسع للأمثال السلبية والمجحفة بحقها، إلا أن هذا الواقع لا ينفي قطعًا وجود أمثال تحمل دلالات إيجابية أنصفت المرأة واعترفت بدورها المحوري ومشاركتها الفاعلة في المجتمع.

وعلى ذلك، تتمثل مسؤولية المجتمع اليوم في إبراز هذه الأمثال المنصفة للمرأة وتداولها والاعتزاز بها جزءا من التراث لحماية المرأة من التهميش والخذلان، فإنصاف المرأة في الأمثال الشعبية يمثّل حجر الأساس لإنصافها في الواقع، فالمرأة نصف المجتمع، وفي إنصافها تحقيقٌ لتماسكه.

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.

 

  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

 

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً