المحازي الحضرمية الأطفال
article comment count is: 0

المحازي الحضرمية وتأثيرها على الأطفال!

هل من الممكن أن تساهم المحازي الحضرمية في تعزيز السلوك الإيجابي لدى الأطفال؟ من أجل الإجابة عن هذا التساؤل فإنّه من المهم معرفة أنّ الطفل في بداياته يميل غالبًا إلى تقليد من هم حوله، ويتأثر كثيرًا بأفعال من هم أكبر منه وهو-أي الطفل في هذه المرحلة يكون عقله فارغًا إلاّ من الأشياء التي يتلقاها ممن هم أكبر منه، لذلك يجب أن تكون المعارف التي يتلقاها هذا الطفل على قدر عالٍ من الدقة؛ لأن كل المفاهيم التي سيتلقاها الطفل صغيرًا ستكبر معه وكل القناعات التي تم إقناعه بها ستكبر معه أيضًا. والسؤال الذي طرحته آنفاً سؤال جوهري فهل يمكن لهذه الحكايات البسيطة أن تشكل وعي الطفل منذ نعومة أظفاره؟ هذا ما سأحاول شرحه وتبسيطه هنا، ولكن في البدء ينبغي أن نوضح أولًا ماهي المحازي الحضرمية التي يدور النقاش حولها، باختصار شديد المحازي هي: الحكايات الشعبية البسيطة التي تسردها الجدات للأطفال وتختلف أهدافها وأنواعها، منها ما هو إيجابي ومنها وما هو سلبي، ولكل حكاية من هذه الحكايات معنى يختلف عن الآخر.

وهذه الحكايات الشعبية لها دور كبير في تشكيل وعي الأطفال؛ لأنها تغرس في عقولهم كل المفاهيم والقناعات التي تريد الجدات والأمهات والآباء غرسها في نفوس وعقول أطفالهم وبالتالي تكبر هذه القناعات معهم وتنتقل من جيل إلى آخر. تُعرف هذه الحكايات في حضرموت باسم المحازي وهي جمع محزاة، وتسمى كذلك حزايا وهي جمع حزاية وليس هناك فرق بين حزايا ومحزاة فالمعنى واحد وإن اختلفت التسمية من مكان لآخر في حضرموت.

تُروى هذه المحازي غالبًا في الليل في الأجواء العائلية الدافئة حيث يتحلق الأطفال حول الجدة أو الأم أو الأب أو الجد ولكن جرت العادة أن تروي هذه المحازي الجدات في جو تسوده المودة والألفة. وقد يجتمع حول الجدة غير أحفادها فقد يحضر أبناء الجيران والأقرباء في مشهد يعكس روح التماسك الاجتماعي ويعزز مبدأ المساواة بين الناس والترابط والتماسك. وليست حضرموت هي الوحيدة التي تعرف هذا النوع من الحكايات بل إنّ هذا الأمر معروف عند أكثر شعوب الأرض، وقد نجد تشابهًا كبيرًا في بعض الحكايات من مكان لآخر، فالأفكار في جوهرها واحدة ولكن تختلف بعض التفاصيل والشخصيات ولكن المعنى واحد والفكرة واحدة.

تبدأ الجدة في سرد المحزاة بأسلوب شيق وماتع مع استخدام أسلوب الغموض والتشويق لإضفاء عنصر الإثارة مع أنّ كثيرًا من هذه المحازي في أصلها قائمة على عنصر الخيال. ومع أنّ الجدات غالبًا يكن أُميات لا يقرأن ولا يكتبن إلا أنهن يجدن فن السرد القصصي الماتع، ويؤمنّ بأنّ هذه الحكايات تغرس في نفوس هؤلاء الأطفال قيمًا ومبادئ حميدة، وتساهم هذه المحازي في تعزيز مبدأ التغير السلوكي الإيجابي.

وسأستعرض في هذا المقال حكايتين بسيطتين في الظاهر لكنهما تحملان قيمًا حميدة في جوهرهما

المحزاة الأولى: محزاة فاطمة وكعدة

تظهر لنا هذه المحزاة كيف أنّ تعاملنا مع الأشياء من حولنا قد يكسبنا ميزات ليست عند غيرنا، وتغرس في النفوس حب الأشياء من حولنا، وإظهار الخير لمن هم حولنا ليس للبشر فحسب وإنما لكل شيء حتى الطبيعة، وأننا متى ما كنا جيدين في سلوكنا وتعاملنا فإن جزاءنا سيكون بلا شك أن ننعم بالخير الوفير.

وخلاصة الحكاية أنّه كان هُناك رجلٌ تزوج بامرأة وأنجبت له بنتًا أسماها فاطمة، ثم بعد مدة توفيت هذه الزوجة، فتزوج الرجل بامرأة أخرى وأنجبت له بنتًا أسماها كعدة، وبعد مدة قرر هذا الرجل السفر إلى الخارج تاركًا زوجته مع ابنتيه فاطمة وكعدة، لم تكن هذه الزوجة الثانية زوجة طيبة فكانت تسند كل العمل لابنة زوجها فاطمة وكانت تعاملها بجلافة وغلظة. وحدث أن أمرت هذه الزوجة فاطمة أن تخرج للرعي بمفردها وأعطتها قربة فيها قليل من الماء لا غير. فخرجت فاطمة للرعي، وفي طريقها صادفت نخلة فقالت لها: اسقيني من الماء الذي معك، فقالت فاطمة: ليس معي الكثير منه ولكنني سأعطيك منه، فأعطتها منه وقالت لها النخلة: عسى أن يصبح شعرك طويلاً مثل سعفي، وفي الحال طال شعر فاطمة. ثم أكملت فاطمة طريقها وصادفت شجرة حناء وقالت لها: اسقيني من الماء الذي معك، فقالت لها فاطمة: ليس معي إلاّ القليل ولكنني سأعطيك منه، فقالت لها الشجرة: عسى ألاّ يزول منك طلاء الحناء أبداً. وأكملت طريقها، وصادفت شجرة قطن، وقالت لها نفس الذي قالته قبلها النخلة والحناء، فأعطتها فاطمة من الماء الذي معها فقالت لها شجرة القطن: عسى أن يصبح لونك أبيضًا مثلي، فحدث ما تمنته لها الشجرة. ثم أكملت طريقها فصادفت رجلًا غريبًا قال لها أريد ماء فأعطته، ثم قال لها: أين أربط حصاني؟  قالت له: في إصبع رجلي، قال: وأين أضع رحلي؟ قالت: على ظهري، قال: أين أنام؟ قالت على رجلي، قال: بعد قليل ستمر سبعة سيول إذا رأيت السيل الأصفر أيقظيني من النوم، وعندما رأت فاطمة السيل الأصفر أيقظت الرجل فقال لها: اقفزي فيه، ففعلت وخرجت منه مليئة بالذهب والفضة والمجوهرات، وعادت إلى المنزل فرأتها خالتها زوجة أبيها واختها كعدة فغارت الزوجة منها، ومن اليوم التالي أمرت بنتها كعدة أن تذهب لرعي الأغنام بدلًا من فاطمة، فعلت كعدة ولكنها لم تتعامل مع كل ما صادفته كما فعلت فاطمة. وعندما جاءها الرجل وتعاملت معه بغلظة وجلافة، قال لها: ستمر سبعة سيول من هنا إذا رأيت السيل الأسود أيقظيني، وعندما جاء السيل الأسود أيقظت كعدة الرجل فقال لها: اقفزي فيه ففعلت وخرجت منه مليئة بالثعابين والعقارب.

إنّ  هذه المحزاة البسيطة في أحداثها تضعنا أمام رسالة مهمة، لا تتعلق بالأخلاق فقط وإنما بكيف نتعامل مع الأشياء من حولنا. وتظهر لنا أنّ الجزاء من جنس العمل، وتصور لنا كذلك أنّ الخير الذي نفعله يعود علينا بالخيرات فيما بعد، لذلك ينبغي علينا أن نتعامل مع كل شيء من حولنا بمبدأ اللطف والإيجابية. فلو لم تتعامل فاطمة مع الأشجار من حولها بلطف وعطف لما كان جزاءها تحقق كل الدعوات التي دعتها لها الأشجار. ولو لم تتعامل مع الرجل الغريب بلطف لما كان جزاؤها أن خرجت من السيل وهي محملة بالذهب والفضة والمجوهرات، وكذلك الحال بالنسبة لأختها كعدة التي تعاملت مع الأشياء بجلافة وغلظة ونظرة سلبية ورثتها عن أمها فكان جزاءها ما كان.

هذه الحكاية رغم بساطتها وعنصر الخيال الذي فيها تحمل رسائل مهمة للأطفال، فهي تغرس في عقولهم حب الخير والسعي دومًا لتقديم المساعدة للآخرين، والتعامل بمبدأ الشراكة مع كل الأشياء من حولنا، وهذا دليل واضح على أنّ بعض هذه  الحكايات أو كما نسميها المحازي قادرة على تشكيل وعي الأطفال وغرس القيم الإنسانية الحميدة في نفوسهم، وهذه المفاهيم والقيم والأفكار ستكبر معهم وسينقلونها هم بطريقة أو بأخرى لأبنائهم جيلًا بعد جيل.

بناءً على ما سبق فإننا نتوصل إلى نتيجة مفادها أن بعض هذه الحكايات له دور كبير في بناء شخصيات الأطفال سواء كان هذا البناء إيجابيًا أم سلبيًا، وأنّ الطفل عندما يكبر إنما هو نتاج ما تربى عليه صغيرًا لذلك ينبغي أن تكون الأشياء التي يتلقاها صغيرًا أشياء مفيدة وتحمل رسائل التماسك والتفاهم وتعزز مبدأ حب كل الأشياء من حوله.

المحزاة الثانية: خطر أبو مطر

وفي المحزاة الثانية التي تدعى خطر أبو مطر، فقد كان هناك رجل تزوج بامرأة أنجبت له بنتًا أسماها فاطمة ثم بعد مدة توفيت هذه الزوجة فتزوج بأخرى ولم ينجب منها، وقرر بعد مدة السفر للتجارة وأوصى زوجته بابنته وأن تعتني بها جيدًا وكان قد وضع في يد ابنته أسورة وقال لزوجته: لو خرجت هذه الأسوار من يدها سأعاقبك وهو هنا يريد أن ينبهها إلى قضية إطعامها جيدًا حتى لا ينقص وزنها.

ومن حرص الزوجة على البنت أسكنتها في غرفة ليس فيها نوافذ وتأتي لها كل يوم باللحم وما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة، وفي إحدى الأيام جاءت بنات عم فاطمة لزيارتها وأخبرنها بحكاية شاب جميل بهي الطلعة يدعى خطر أبو مطر، فتعجبت فاطمة من هذا لأيام، وقالت لهن: ومن هو هذا خطر أبو مطر؟! قالت لها إحداهن: إنه شابٌ جميلٌ جدًا يأتي كل يوم إلى خلف منزلكم يشرب من حوض الماء الذي خلف منزلكم ويسقي حصانه، لماذا لا تخرجين لرؤيته؟.

قالت فاطمة: لا أستطيع ذلك فخالتي لا تسمح لي بالخروج من المنزل حرصًا عليّ وخوفًا من والدي، فاقترحت عليها إحداهن حيلة لترى ذلك الشاب، قالت لها: غدًا عندما تأتيك خالتك قولي لها أريد مرقًا ودجاج، فإذا أحضرت لك المرق فاسكبيه على الجدار واصنعي ثقبا في الجدار بواسطة العظم حتى تحدثي ثقبًا وتري منه هذا الشاب الجميل.

ففعلت فاطمة ما اقترحته عليها بنات عمها وتمكنت من رؤية هذا الشاب ورآها وتعلقت به وتعلق بها، وأصبح كل منهما متيم بالآخر فضعفت حالتها وخافت خالتها زوجة أبيها من عقوبة والدها وذهبت إلى عجوز حكيمة في القرية وقصت عليها الخبر فقالت لها العجوز: قدمي لها ديكًا مطبوخًا، وانظري ماذا تفعل وأخبريني، ففعلت الزوجة ما أمرتها به العجوز وسمعت فاطمة تقول: الله يعلق كبدك مثلما علقت كبدي!

وأخبرت العجوز بالأمر فقالت لها إن هذه البنت عاشقة، فأخبرت الزوجة زوجها عند عودته وجعلته يرى الأمر بعينه، فما كان منه إلا أن زوّج بنته فاطمة بهذا الشاب وعاشا حياةً سعيدة خالية من الكدر والنكد.

إذن هذه الحكاية على بساطتها كما ذكرت آنفًا تحمل رسالة مهمة يمكن استقاؤها من أحداث القصة البسيطة، وهي أنه ينبغي علينا أن نتقبل مشاعر الآخرين وألاّ نمنع المتحابين من الاجتماع، ونبتعد عن التفريق بين القلوب التي يحب بعضها بعضًا، وأن نتقبل هذه المشاعر الإنسانية النبيلة التي لا تختص بشعب دون الآخر، فإذا نحن قمنا بذلك ستختفي الكثير من الإشكاليات التي نراها اليوم في مجتمعاتنا.

وهنا يمكننا القول أن الحكايات الشعبية البسيطة تمثل في جوهرها اللبنة الأساسية التي تصنع وعي الطفل وتساهم بشكل كبير في تكوين شخصيته والطريقة التي سيتعامل بها مع الأحداث عندما يكبر. فالطفل منذ نعومة أظفاره نحن الذين نملأ عقله ونشكله فهو أشبه بالصلصال يمكنك تشكيله كيفما شئت. لذلك ينبغي أن تكون المعارف والأفكار التي تقدم له على قدر عالٍ من الإيجابية، وهذا ما تفعله بعض الحكايات أو المحازي لذلك ينبغي التركيز على الجانب المشرق منها. الجانب الذي ينمي فيه حب الخير والتقبل، ويجب الابتعاد عن الحكايات التي تحمل طابع الانتقام والشر؛ لأنها قد تساهم بشكل كبير في غرس قيم سلبية في نفسه وبالتالي عندما يكبر يكون نسخة من كل الأشياء التي تلقاها صغيرًا فيصبح من الصعب تغيير مفاهيمه وأفكاره، كما يجب لفت الانتباه إلى أهمية مثل هذه الحكايات التي تمثل في طياتها الأفكار الحميدة والقيم الإنسانية والاجتماعية النبيلة وتسليط الضوء عليها وتطويرها إن أمكن لتتناسب مع لغة العصر الحديث فالوسائل والطرق كثيرة.

وفي الأخير نحن الذين نساهم في تشكيل وعي الأطفال وطريقة تفكيرهم وهذه المحازي هي إحدى العناصر الأساسية التي تساعدنا في غرس قيم التسامح والتعايش والمحبة بينهم وهذا جانب يجب ألاّ يتم إغفاله إذا أردنا أن تكون الأجيال القادمة أجيالاً واعية ومتفهمة ومتقبلة، وهذه الحكايات التي انبثقت من ثقافتنا الشعبية البسيطة لها أثر ودور فعالين في تأسيس أطفالنا فينبغي التركيز عليها وتلقينهم إياها مع التركيز على جوهر وأصل الحكاية.

 

محزاة: عسل ولوزة 

رسم وتأليف: فرح علي بن مرضاح

اترك تعليقاً