“غاب القط… العب يا فأر“.. مثل يضرب لاستغلال غياب السلطة، ففي اللحظات التي تتعثر فيها سيادة القانون، وتغيب هيبة الدولة، تتحول المدن إلى ساحة مفتوحة تُنهب فيها الكرامة قبل الممتلكات. مدينة سيئون في محافظة حضرموت شرق اليمن، إحدى المدن التي عانت هذه الحقيقة المأساوية وعاشت لفترة انهيار مؤسسات الدولة، فمع أحداث أواخر ديسمبر من العام 2025م شهدت المدينة موجة من الاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة، في مشهد أظهر حالة من الانفلات الأمني وغياب السلطة على أرض الواقع.
رسم: شفاء الحبشي

مشاهد وصور وثقتها جوالات المواطنين للمدينة وهي تنهب لأيام متتالية، في مشهد عصيب، وفي قلب هذه الفوضى العارمة، والانفلات غير المسبوق، تجمع مجموعة من الشباب لوقف هذا الانهيار، فقرروا إطلاق مبادرة مجتمعية تطوعية نادرة، مبادرة ولدت من رحم المجتمع السيئوني الذي شعر بالخزي والحياء دون توجه رسمي، مقدمةً نموذجًا حيًا لما يسميه خبراء بناء السلام “المقاومة المدنية السلمية”.

هدفت هذه المبادرة إلى استرجاع المنهوبات والمسروقات العامة والخاصة، محولة حالة الضياع والتيه إلى إحياء للضمائر، وإعادة بناء جسور الثقة، وإثبات الالتزام الأخلاقي، وقدرة المجتمعات على النهوض والتعافي والتعايش وتحقيق السلام المستدام. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لفعل النهب، الذي هو نتاج لغياب الدولة، أن يخلق استجابة مجتمعية كهذه؟ وكيف تتحول لحظة الانهيار الكامل إلى بذرة لأمل جديد؟.

ولكي نجيب عن هذا التساؤل، لابد أولًا من الوقوف على الظاهرة وطبيعتها، واستقراء الأسباب التي تجعل النهب والسلب من أخطر أعراض انهيار الدولة. ويُعرف النهب بأنّه الاستيلاء على ممتلكات عامة أو خاصة من قبل مدنيين أو أفراد القوات المسلحة، أو المليشيات المشابهة، ويُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون ويحظر في النزاعات المسلحة، وتتنوع دوافعه في سياق النزاعات المسلحة بين الفراغ الأمني والانهيار المؤسسي، والدوافع الاقتصادية والاجتماعية.
في سيئون، وثّقت مقاطع فيديو وصور مشاهد صادمة لمنازل ومحال تجارية تعرضت للسرقة والنهب والتخريب، في تصرف دخيل وغير مألوف على المجتمع الحضرمي الذي عُرف عبر تاريخه بالأمانة والنزاهة وحبه للخير، هذه المشاهد القاسية لم تمر مرور الكرام على الجميع، فمن يتابع تفاصيل المبادرة عن قرب، يدرك أن الدافع الأولي للنهب كان -كما يوضح المهندس عبد الله بارمادة، مدير الوحدة الاجتماعية باتحاد الملتقيات الشبابية التطوعية بمحافظة حضرموت ومسؤول المبادرة- نابعًا من فهم مشوّه لـ “غنائم الحرب”، حيث اعتقد بعض الشباب أنّ ما يأخذونه هو “حقّ للمواطن” أو مكاسب مشروعة في ظل تغير السلطة، كانوا لا يعلمون ما هي الغنائم ومتى تكون، كانوا في غفلة على أساس أنّ ما يأخذونه هو من حق المواطن، فبعض الأطفال الصغار عندما كانوا يشاهدون الكبار يعتدون على تلك الممتلكات فعلوا مثلهم، من منطلق أنّ هذا حقي” هذه العقلية تكشف كيف يمكن للأزمات السياسية أن تتحول إلى فوضى أخلاقية تجعل من السرقة فعلًا مُبررًا ذاتيًا في أعين مرتكبيه.
لكن المهم هُنا أنّ ردّ فعل المجتمع في سيئون لم يكن انتقاميًا أو سلبيًا، بل تحوّل إلى صحوة ضمير جمعي، فشعر أبناء المدينة بـ “الخزي” من الحالة غير المألوفة التي وُصفت بأنها “شيء غير معتاد وغير معروف في بلادنا حضرموت”، هذا الشعور بالخجل من انتهاك حرمة المدينة وممتلكات أهلها كان الشرارة التي أوقدت رغبة في التصحيح، يؤكد بارمادة: “عندما رأينا أنّ ممتلكات الدولة تُنهب وتُسرق، تحركنا انطلاقًا من واجبنا الديني أولًا، وعُرفنا المجتمعي الحضرمي ثانيًا” وهكذا، تحولت الصحوة إلى حركة منظمة بدأت من الخطب في المساجد كأول خطوة عملية، حيث تدخل فريق الملتقيات التطوعية؛ لتوعية الشباب وتصحيح أخطائهم أنّ ما أخذوه هو مجرد سرقة من مال المواطنين. هنا، تحول الخطاب من السياسي إلى الأخلاقي والديني، مع التركيز على مفهوم المسؤولية الفردية والجماعية تجاه المجتمع.

ما يميز هذه المبادرة هو ذكاؤها التنظيمي اللافت، الذي تجلّى في عدة محاور أساسية، أولها: الحرص على الشرعية والتعاون مع الجهات الفاعلة، حيث تفّهم القائمون عليها أنّ نجاحها يتطلب شرعية عملية، فتعاونوا مع الجهة التي بدأت بشد النزاع (المجلس الانتقالي الجنوبي) لتوضيح خطأ فعل النهب، كما تم التنسيق مع السلطة المحلية لتأمين العمل، ومع عقال الحارات لجمع معلومات دقيقة عن المنازل المنهوبة، هذا التعاون الثلاثي (المجتمع، السلطة، القيادات المحلية) ضمن حماية للمتطوعين وسرية للعملية، وثانيها: اتباع منهجية قائمة على “السرية التامة” وعدم الإذلال، حيث تم إنشاء آلية تسمح لمن لديهم ممتلكات مسروقة بإعادتها “دون أن يكشف عن هويتهم”.
وُضعت الأغراض في “هنجر” بعد “كتابة كل منزل باسم صاحبه”، ليتسنى لأصحابها المطالبة بها لاحقًا دون مواجهات. هذا المنهج التصالحي (بدلاً من العقابي) شجع الكثيرين على العودة عن فعلهم، خاصةً وأنّ “كل الذين نهبوا كانوا خائفين، ففكّروا في أنفسهم قبل لا ينفضحوا”، وثالثها: استخدام قنوات تواصل ذكية، حيث استعين بالإذاعة المحلية (إذاعة سيئون) ومنصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تليجرام) لنشر رسالة واحدة واضحة: “لمن أخذ شيئًا… يجب استرجاعه مع السرية التامة دون إفصاح عن أي هوية”.

تتجلى قوة هذه المبادرة في تأثيرها الإنساني الملموس، الذي رأيناه في قصص مؤثرة تستحق الوقوف عندها، يصف بارمادة ردود فعل “كبار السن” الذين “كانوا يبكون من شدة الفرح” عند استعادة ممتلكاتهم، وفرح أصحاب السيارات والدراجات النارية المسترجعة بعد أن فقدوا الأمل من عودتها. لكن من أبرز القصص تأثيراً كانت مع “فريق من الأطفال لا يتجاوز عمرهم 10 سنوات” كانوا ضمن من نهبوا، حيث تم استقبالهم وطمأنتهم أنّه لن يتم إخبار أحد، مما حوّل الموقف من عقاب إلى درس تربوي يصحح المسار دون كسر للنفس.
أما عن عدد القطع التي تم استرجاعها، فيوضح بارمادة أنها تجاوزت منذ انطلاق الحملة 1558 قطعة متنوعة، شملت أدوات منزلية وصناعية ودراجات نارية وقطع سلاح، إضافة إلى مقتنيات أخرى تم تسليم جزء منها للمواطنين على أن تستمر عملية التسليم تباعًا.
كثيرة هي الرسائل التي أرسلتها هذه المبادرة، لكن أبرزها أنّ الخير لم ينتهِ، وأنّ هُناك شبابًا قادرون على إحداث أثر حقيقي في مجتمعهم، غير أنّ الرسالة الأعمق التي تختصرها هذه التجربة هي: مهما غفل الناس عن القيم والأخلاق، يبقى هناك من يتذكر،فهذه المبادرة لم تستعد ممتلكات مادية فقط، بل استعادت الثقة بين أفراد المجتمع، والكرامة للمتضررين، ولعل النصيحة التي يوجهها القائمون عليها هي: “أكثروا من عمل الخير لكي يعلم المجتمع أنّ الدنيا بخير”.
ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة الفريدة أنّ “أمانة الحضارم” التي تجسدها هذه المبادرة المجتمعية التطوعية النقية، لم تكن تمثل إلا عادات وتقاليد وأعراف المجتمع الذي انبثقت منه، لقد أثبتت للمجتمع أجمع أنّه مهما حدث من انحراف وخروج عن الأصل، تبقى هناك فروع تحمل خيرًا وبذرة وفاء، تعيده إلى أصله، وأعادت الثقة بأن الأخلاق هي القاعدة، وأن الانحراف هو الاستثناء المؤقت الذي يمكن إصلاحه. لقد كانت حجر أساس في بناء السلام وترسيخ مبدأ التعايش والتعافي المجتمعي، لأنها قدمت نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الأزمة إلى فرصة للنضج المجتمعي، حيث تتحول الصدمة الجماعية إلى مسؤولية جماعية، وتتحول الفوضى إلى نظام أخلاقي ذاتي يصنعه المجتمع لنفسه، وهكذا رسخت هذه المبادرة في أذهاننا أنّ التعافي يبدأ عندما يقرر الناس استعادة زمام المبادرة الأخلاقية قبل استعادة الممتلكات المادية، وبإذن الله لن تكون هذه المبادرة أول مبادرة ولا آخرها، فالوطن ينتظره الكثير من هذه الصحوة، وهذه المبادرات المجتمعية التي تعيد تعريف معنى التعايش وبناء السلام.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.