حضرموت ذهب مبادرات مجتمعية عسل السدر
article comment count is: 0

حضرموت تحمي ذهبها.. مبادرات مجتمعية لإنقاذ عسل السدر!

قال الشاعر:

ومن يهوى العسل يصبر ولا يثنيه قبص النوب..

تشعل هذه الكلمات حراكًا مجتمعيًا يتحتم علينا تقديمه، نظرًا للأهمية الكبيرة التي يمتلكها العسل اليمني. إذ لا يقتصر علينا التغني بهذا العسل  وبجودته، بل يجب علينا وضع  حلول واقعية لمواجهة تزايد قطع أشجار السدر التي تشكل المصدر الأساسي لأصالته. يُعد عسل السدر أحد أبرز عوامل الجذب في حضرموت، إذ تشهد أسواقه حركةً واسعةً ونشاطًا تجاريًا ملحوظًا. وتسهم هذه الأسواق في تعزيز التفاعل بين الوافدين والمجتمع المحلي، كما تفتح المجال لخلق فرص عمل من خلال اللقاءات والتعاملات التجارية المرتبطة ببيع العسل ومنتجاته الأخرى.

ويعتقد كثيرون أنّ عسل السدر الحضرمي يُعد من أجود أنواع العسل عالميًا، بل يراه البعض الأفضل لما يتمتع به من قيمة غذائية وخصائص شفائية عالية. لذلك لا تكاد تخلو منه المعارض والفعاليات والأسواق داخل اليمن وخارجه، حيث يُحضّر بوصفه أحد أبرز المنتجات اليمنية، وأكثرها قيمة.

كما يحمل هذا العسل رسالة عن الجهود التي يبذلها النّحالون والعاملون في قطاع تربية النحل، فقد أصبح حديث المهتمين والزوار الذين يسعون للتعرف إليه عن قرب عبر هذه الأسواق. ومع توافد الزوار وعودتهم إلى بلدانهم، يتحول عسل السدر إلى سفير ثقافي يعكس جانبًا من الواقع الاجتماعي والثقافي لحضرموت واليمن عمومًا.

تواجه أشجار السدر في حضرموت جملة من التحديات التي انعكست سلبًا على إنتاج عسل السدر، أبرزها التوسع في قطع الأشجار لاستخدامها كحطب أو فحم وبيعها في الأسواق كمصدر دخل بسيط لبعض المواطنين. كما يسهم قيام بعض المزارعين بجمع أوراق السدر وتجفيفها وطحنها وبيعها في الأسواق فيما يُعرف محليًا بـ”التعشير” في استنزاف الأشجار والتأثير على دورة إزهارها. وقد أدى تزايد هذه الممارسات إلى تراجع إنتاج العسل وتأثر جودته، وهو ما انعكس بدوره على النّحالين الذين يعتمدون على هذه الأشجار كمصدر أساسي لمواسم الإنتاج، كما خلق في بعض الأحيان توترات بين النحالين وبعض أفراد المجتمع نتيجة تضارب المصالح واشتداد الحاجة إلى مصادر دخل محدودة.

جمعية حضرموت التعاونية للنّحالين نموذج مشرف

ومع تزايد هذه المشكلات، برزت في مدينة تريم نماذج مجتمعية مشرفة تسعى إلى إعادة عسل السدر إلى الواجهة عبر جهود ذاتية لمعالجة كثير من الإشكاليات التي يواجهها النحالون. وشملت هذه الجهود تنظيم دورات وندوات توعوية لتدريب النّحالين، إلى جانب توجيه المزارعين وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على شجرة السدر بوصفها موردًا اقتصاديًا وبيئيًا مهمًا. كما عملت هذه المبادرات على إيجاد أرضية مشتركة بين النّحالين والمزارعين من خلال تقريب وجهات النظر والاستماع إلى مشكلاتهم ومناقشتها، بهدف الحفاظ على أشجار السدر وتنظيم الاستفادة منها بما يحفظ حقوق الجميع. وأسهمت هذه الجهود في تقليل الاحتكاكات الاجتماعية التي كانت تنشأ أحيانًا بسبب التنافس على الأشجار المنتجة للعسل، وأوجدت مناخًا أكثر تعاونًا يعزز روح التفاهم والتكافل داخل المجتمع.

وتُعد جمعية حضرموت التعاونية للنحالين في تريم من أبرز هذه النماذج المجتمعية المشرفة، إذ أسهمت بدور كبير في دعم النحالين وتحسين أوضاعهم الاقتصادية من خلال تقديم حلول ومبادرات ساعدت على توفير بيئة أكثر استقرارًا لعملهم. كما حظيت هذه الجهود بدعم من مكتب الزراعة والثروة السمكية، إلى جانب مصنع حضرموت لتعليب العسل، في إطار تعزيز هذا القطاع الحيوي.

وقد شهدت صادرات العسل تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بسبب الظروف والأحداث التي تمر بها البلاد. وفي هذا السياق لعبت الجمعية دورًا مهمًا في مساندة التجار والعمل على معالجة تحديات التصدير، من خلال عقد لقاءات وورش عمل مع التجار وأصحاب الاختصاص داخل البلاد وخارجها. كما أسهمت هذه الجهود في طمأنة التجار بشأن جودة العسل وإجراءات تصديره، خصوصًا مع امتلاك الجمعية مختبرًا متخصصًا لتحليل أنواع العسل عبر جهاز HBLC عالي الدقة، والذي يُعد الوحيد من نوعه في اليمن حاليًا. إضافة إلى ذلك، تعمل الجمعية على تسهيل إصدار التراخيص ومتابعة إجراءاتها للتجار، فضلًا عن إدارتها محلًا تجاريًا يساهم في تسويق عسل النحالين وبيعه، بما يعزز حضور المنتج الحضرمي في الأسواق.

وعلى المستوى العلمي شاركت الجمعية في العديد من المشاريع العلمية سواء على مستوى الثانويات أو الجامعات، بهدف تشجيع الطلاب على اكتساب خبرات حياتية، ومن أبرز هذه المشاريع مشروع طلاب قسم الطب في جامعة سيئون الذي تأهل على مستوى الجامعات اليمنية ومن ثم إلى المشاركة الخارجية، وكان المشروع يهدف إلى رفع مستوى منتجات النحل غير العسل بعد دراسة النحالين لها وتصنيعها للتصدير، غير أنّ المشروع ظل على الورق بسبب جائحة كورونا وتأجيل سفر الفريق.

وتصدّرت جمعية حضرموت التعاونية للنحالين جهود معالجة الإشكالات التي كانت تنشأ بين النحالين وبعض فئات المجتمع، من خلال تقديم النصح وطرح الحلول بروح توافقية بعيدًا عن أي تدخل أمني مباشر. وقد جاء ذلك رغم صدور توجيهات تحذر من قطع أشجار السدر أو تعشيرها خلال موسم جني العسل، إلاّ أن الجمعية فضّلت تبني نهج يقوم على تعزيز التفاهم والتعايش بين النحالين وأفراد المجتمع. وفي إطار البحث عن حلول مستدامة، اتجهت الجمعية إلى التوسع في استزراع أشجار السدر بوصفه حلًا جذريًا لمشكلة القطع. وخلال عام 2025م جرى استزراع أكثر من 25 ألف شجرة سدر بدعم من وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر “سمبس”، بما يسهم في توفير بيئة مناسبة للنحل ويعزز استدامة إنتاج العسل. كما شهدت المبادرات المجتمعية مساهمات أخرى، منها زراعة 800 شجرة سدر في إحدى مزارع تريم بجهود شخصية من أحد المزارعين، إضافة إلى زراعة نحو 2000 شجرة في منطقة سناء، وهي من المناطق التي يقصدها بعض نحّالي تريم خلال مواسم إنتاج العسل.

مكتب الزراعة نموذج لدور الدولة في حل النزاعات

وبحسب إحصاءات مكتب الزراعة في تريم، يبلغ عدد المزارع في المديرية نحو 1090 مزرعة. ويرى خبراء تربية النحل أنّ للنحل دورًا مهمًا في زيادة إنتاجية عدد من المحاصيل الزراعية مثل البرسيم والكزبرة والبصل، من خلال عملية التلقيح، الأمر الذي أسهم في رفع إنتاجية هذه المحاصيل وزيادة مداخيل المزارعين بنسبة تصل إلى 70٪. وفي هذا الإطار، لعب مكتب الزراعة في تريم دورًا مهمًا في دعم النحالين وتعزيز الوعي بأهمية شجرة السدر بوصفها ثروة بيئية واقتصادية مستدامة، وذلك من خلال تنظيم دورات وورش عمل توعوية للمزارعين والنحالين. كما تابع المكتب عددًا من القضايا التي تنشأ بين الطرفين، ومن أبرزها مسألة “التعشير”، بهدف تنظيم الاستفادة من أشجار السدر وضمان حق النحال في موسم العسل، مع إتاحة المجال للمزارع للاستفادة من الشجرة بعد انتهاء موسم الجني.

مصنع حضرموت لتعليب العسل مساهمه وتوفير فرص عمل

كما ساهم مصنع حضرموت لتعليب العسل في تسهيل عمل النّحالين إذ تم إنشاء المصنع لتعليب العسل بطرق حديثة وتقنيات عالية ترفع جودة المنتج، خاصة بعد دخول عسل أقل جودة وغير يمني المنشأ إلى الأسواق. ويعمل المصنع على شراء العسل من النحالين الذين لا يملكون القدرة على تسويقه أو تعليبه وطرحه في الأسواق، مما يدعم المنتج المحلي ويسهّل تصديره إلى الخارج في ظل التحديات التي تواجهها الدولة في هذا الجانب، كما يوفر المصنع فرص عمل للشباب ويسهم في الحد من البطالة، ما يجعله رافدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا في المنطقة. وعلى الرغم من هذه الجهود والنماذج المجتمعية المُشرّفة التي قدمتها مدينة تريم للحفاظ على عسل السدر ورفع جودته من خلال التعاون المجتمعي وإيجاد حلول لتحديات النحالين، إلا أنّ هذا القطاع ما يزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والاستدامة لضمان استمرار هذا المورد الاقتصادي المهم.

ومن خلال المناقشة السابقة، يمكن القول أنّ عسل السدر يمثل جزءًا من الهوية التاريخية لليمن، ما يجعل الحفاظ عليه وحماية مصادره أمرًا ضروريًا. ورغم أنّ كثيرًا من المبادرات التي ظهرت كانت جهودًا شخصية تطلّبت تضحيات كبيرة من القائمين عليها، فإنها شكّلت نواة حقيقية لمعالجة العديد من التحديات التي يواجهها قطاع النحل. وتعميم مثل هذه النماذج في مديريات أخرى إلى جانب تريم يمكن أن يسهم في زيادة إنتاج عسل السدر واستدامته. فشجرة السدر تمثل رئة خضراء وموردًا اقتصاديًا مستدامًا، وزراعتها تعني بيئة أفضل، وعسلًا أجود، وفرص عيش أكثر استقرارًا للمزارعين والنحالين. ومن أجل إحياء زراعة هذه الأشجار وحمايتها، تبرز الحاجة إلى تنسيق جهود المؤسسات الرسمية والمجتمعية والأفراد، نظرًا لما تمثله من أهمية بيئية واقتصادية واجتماعية، ولما تحمله من فوائد تتجاوز إنتاج العسل ذي الجودة العالية إلى دعم التنمية والاستقرار في المجتمع.

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً